
الشاعر الفذ الماجن الفاسق الزنديق شاعر الخمريات و صاحب المقام الرفيع و المكانة العالية سواء بين شعراء عصره أو الشعراء من مختلف العصور
كان أبو نواس ذا مكانة كبيرة لجمال و بساطة شعره من ناحية و لمجالسته للخلفاء لاسيما هارون الرشيد و بعده الأمين من ناحية أخى لا يسير إلا برفقة اثنين كما كانت العادات العربية " بودي جارات " و بالطبع كان يتغنى بشعره الكثيرون و يجري ذكره على الألسنة و تتمناه الكثيرات برغم تغنيه بفسقه و شذوذه
فإذا به يحب
يقول المعاصرون له أن حبه كان لجارية ثيب - ليست بكرا ً- تـُدعى جنان و أنه كان صادقا ً فيه ولا ينكره كقوله :-
رُب ليل ٍ قطعته بانتحاب ِربُ دمع ٍ هرقته في التراب ِ
رُب ثوب ٍ نزعته بعصيرالدمع بدَّلت ُ غيره ُ من ثياب ِ
يا الله شاعر بحجمك يبكي و ينتحب يا أبا نواس
يُقال أنه كان جالسا ً ينشد شعره للحاضرين فمرت به فأحبها من النظرة الأولى و هو لا يعرفها فسأل عنها فلم يجد ردا ً يريحه فكتب ما كتب و هو لا يحمل لها سوى النظرة الوحيدة التي جمعته بها و تناقل أهل البصرة أشعاره فيها و تشبه بها حتى عرف أن اسمها جنان
كانت جنان فضلا ً عن جمالها مهتمة بالأدب برغم كونها جارية لأحد أثرياء البصرة
لم تهتم جنان بحبه برغم محاولاته المضنية لإثبات حبه بل كانت تسخر منه و هو يتلعثم أمامها كطفل صغير أو تلميذ فاشل لا يستطيع برغم ثقله أن يخفي ارتباكه و دموعه
لم تحس به و هو القائل :-
أحب الشمال إذا أقبلت لأن قيل َ مرَّت بدار الحبيب ِ
ولا شك أن كذا فعله ُ إذا تلقته ُ ريح الجنوب ِ
و المنتحب لاستهزائها و سخريتها :-
حامل الهوى تعب ُ يستخفه الطرب
إن بكى يحق له ليس ما به لعب
تضحكين لاهية ً و المحب ينتحب
تعجبين من سقمي صحتي هي العجب
كلما انقضى سبب ٌ منك عاد لي سبب
طلب الزواج منها فرفضت فأعاد طلبه فرفضت حتى التقاها و صاحبة لها فلما رأت صاحبتها ارتباكه أمامها عرضت أن تكون رسوله لها فقبل
فلما علمت جنان بهذا غضبت من صاحبتها
و قالت :- مثل هذا الكلب تطعمينه فيّ و راحت تسبه و تقول أنه مخنث كذاب
فنقلت الصاحبة كلامها للناس فتناقلت البصرة سابا جنان له
و كان أبو نواس يعلم أنه تسبه فلا يزيده هذا إلا حبًا و قربًا
جنان تسبني ذُكرت بخير ٍ و تزعم أنني مزق خنيث
و أن مودتي كذب ٌ و مين و إني للذي أهوى بثوث
و ما صدقت و لا رد ٌ عليها و لكن الملول هو النكوث
و لي قلب ٌ ينازعني إليها و شوق بين أضلاعي حثيث
رأت كلفي بها و دوام عهدي فملَّتني كذا كان الحديث
و كان أن رآها أبو نواس في السوق فأوقفها فالتف الكل ليشاهدوا لقاء أبي نواس بمن سبته
ركع أبو نواس أمامها و هو يقول :-
أتاني عنك سبك لي فسُبي أليس جرى بفيك اسمي فحسبي
فقبلت الزواج منه على شرط أن يترك حياة الخمر و الفسوق و ينصلح حاله فوافق
و لكنه لم يطق صبرا ً فعاد فهجرته بل و جعلت مولاها يرسلها لدار له في بلدة بعيدة
فكان ينتظرالقادمين من تلك البلدة ليسألهم عنها
بل و يُقال أنه قرر أن يحج لما علم أنها تنوي الحج آملا أن يراها هناك
فكان يتهدج صوته و هو يقول في محاوة للتوبة - و كأنه ينفذ ما طلبت برغم إيمنه بنه لن تراه أن تعرف ما فعل -
إلهنا ما أعدلك
مليك كل من ملك
لبيك قد لبيت لك
لبيك إن الحمد لك
و الملك لا شريك لك
ما خاب عبد سألك
أنت له حيث سلك
لولاك يا رب هلك
لبيك إن الحمد لك
و الملك لا شريك لك
كل نبي ٍ و ملك
و كل من أهل َّ لك
و كل عبد ٍ سألك
سبَّح أو لبَّى فلك
و يقول البعض - و هو قول مشكوك في صحته - أنه رآها تقبل الحجر الأسود فاخترق الحجاج و حاول أن يقبلها
و غابت جنان و تمادت في هجها و نسيانه فماتت قصة حب ٍ ربما كانت ستغير حياة شاعر بحجم أبي نواس
هامش
يمكن الرجوع لكتاب" إقبال بركة " " الحب في صدر الإسلام "
و كتاب " عشاق و مجانين " عن سلسلة "اقرأ"