18‏/09‏/2009

شتاء ريتا الطويل





ريتا ترتب ليل غرفتنا : قليل هذا النبيذ

وهذه الأزهار أكبر من سريري

فافتح لها الشباك كي يتعطر الليل الجميل

ضع ههُنا قمراً على الكرسيَّ

ضع فوق البحيرةَ

حول منديلي ليرتفع النخيل أعلى وأعلى

هل لبست سواي ؟ هل سكنتك إمرأةٌ

لتجهش كلما التفّت على جذعي فُروعُكَ ؟

حُكَّ لي قدمي وحُكَّ دَمي لنعرف ما

تخلفه العواصفُ والسُّيولُ

منِّي ومنك …

تنامُ ريتا في حديقةِ جسمها

توتُ السياجِ على أظافرها يُضيءُ

الملحَ في جسدي . أُ حبُّكِ .

نام عصفوران تحت يديَّ…

نامت موجةُ القمح النبيل على تنفسها البطيء

و وردةُ حمراء نامت في الممر

ونام ليلُ لا يطول

والبحر نام أمام نافذتي على إيقاع ريتا

يعلو ويهبط في أشعة صدرها العاري

فنامي بيني وبينك

لا تغطي عَتمَة الذهب العميقة بيننا

نامي يداً حول الصدى

ويداً تبعثرُ عزلة الغابات

نامي بين القميص القرمزي ومقعد الليمون

نامي فرساً على رايات ليلة عرسها …

هدأ الصهيلُ

هدأت خلايا النحل في دمنا

فهل كانت هنا ريتا

وهل كنا معا ؟

…. ريتا سترحلُ بعد ساعاتٍ وتتركُ ظلها

زنزانةٌ بيضاء . أين سنلتقي ؟

سألَت يديها ، فالتَفَتُّ إلى البعيد

البحر خلف الباب ، والصحراء خلف البحر

قبلني على شفتي قالت .

قُلتَ : يا ريتا أأرحلُ من جديد

مادام لي عنبٌ وذاكرةٌ ، وتتركني الفصول

بين الإشارة والعبارة هاجسا ً ؟

ماذا تقول ؟

لا شيء يا ريتا ، أقلدُ فارساً في أُغنية

عن لعنة الحب المحاصر بالمرايا …

عَنّي ؟

وعن حلمين فوق وسادةٍ يتقاطعان ويهربان

فواحدٌ يستل سكيناً وآخرُ يُودعُ الناي الوصايا

لا أدرك المعنى ، تقول

و لا أنا ، لغتي شظايا

كغياب إمرأةٍ عن المعنى ،

وتنتحرُ الخيولُ في آخر الميدان …

ريتا تحتسي شاي الصباح

وتقشر التفاحة الأولى بعشر زنابقٍ

وتقول لي :

لا تقرأ الآن الجريدة ، فالطبول هي الطبول

والحرب ليست مهنتي . وأنا أنا . هل أنتَ أنتْ ؟

أنا هو

هو من رآكِ غزالةً ترمي لآلئها عليه

هو من رأى شهواتهِ تجري وراءكِ كالغدير

هو من رآنا تائهين توحدا فوق السرير

وتباعدا كتحية الغرباء في الميناء

يأخذنا الرحيل في ريحه ورقاً

أمام فنادق الغرباء

مثل رسائلٍ قرئت على عجل

أتأخُذني معك ؟

فأكون خاتم قلبك الحافي ، أتأخُذني معك

فأكون ثوبك في بلاد أنجبتك … لتصرعك

وأكون تابوتا من النعناع يحمل مضجعك

وتكون لي حياً وميتاً

ضاع يا ريتا الدليل

والحب مثل الموت وعدٌ لا يرد .. ولا يزولُ

…. ريتا تُعدُّ لي النهار

حجلاً تجمع حول كعب حذائها العالي :

صباحُ الخير يا ريتا

وغيماً أزرقاً للياسمينة تحت إبطيها :

صباحُ الخير يا ريتا

وفاكهةً لضوء الفجر: يا ريتا صباح الخير

يا ريتا أعيديني إلى جسدي لتهدأ لحظةً

إبرُ الصنوبر في دمي المهجور بعدك ِ .

كلما عانقتُ برجَ العاجِ فرت من يديَّ يمامتان ..

قالت : سأرجع عندما تتبدل الأيام والأحلام

يا ريتا طويل هذا الشتاء ، ونحن نحن

فلا تقولي ما أقول أنا هي

هيَ من رأتكَ معلقاً فوق السياج ، فأنزلتك وضمدتك

وبدمعها غسلتك ، انتشرت بسوسنها عليك

ومررت بين سيوف اخوتها ولعنة أمها وأنا هيَ

هل أنتَ أنتْ ؟

… تقوم ريتا عن ركبتي

تزور زينتها ، وتربط شعرها بفراشةٍ فضيةٍ .

ذيل الحصان يُداعبُ النمش المبعثر

كرذاذ ضوءٍ فوق الرخام الأنثوي

تعيد ريتا زر القميص إلى القميص الخردلي … أأنتَ لي ؟

لَكِ ، لو تركت الباب مفتوحاً على ماضيَّ ،

لي ماضٍ أراه الآن يولدُ في غيابك

من صرير الوقت في مفتاح هذا الباب

لي ماض أراه الآن يجلس قربنا كالطاولة

لي رغوة الصابون

والعسل المملح

والندى

والزنجبيل

ولكَ الأيائل ،إن أردت ، لك الأيائل والسهول

ولك الأغاني ،إن أردت، لك الأغاني والذهول

إني ولدت لكي أحبك

فرساً تُمجد غابةً ، وتشق في المرجان غيابك

ووُلدتُ سيدةً لسيدها ، فخذني كي أصبك

خمراً نهائياً لأشفى منك فيك ، وهات قلبك

إني ولدت لكي أحبك

وتركت أمي في المزامير القديمة تلعن الدنيا وشعبك

ووجدت حراس المدينة يُطعمون النار حُبك

وإني ولدت لكي أحبك

ريتا تكسر جوز أيامي ، فتتسع الحقول

لي هذه الأرض الصغيرة في غرفة في شارعٍ

في الطابق الأرضي من مبنى على جبلٍ

يطل على هواء البحر . لي قمرٌ نبيذيٌ ولي حجر صقيل

لي حصة من مشهد الموج المسافر في الغيوم ، وحصة

من سِفرِ تكوين البداية و سِفرِ أيوب ، ومن عيد الحصاد

وحصة مما ملكتُ ، وحصة من خبز أمي

لي حصة من سوسن الوديان في أشعار عشاق قدامى

لي حصة من حكمة العشاق : يعشقُ وجهَ قاتلهِ القتيلُ

لو تعبرين النهر يا ريتا

وأين النهر ، قالت …

قُلتُ فيكِ وفيَّ نهرٌ واحد

وأنا أسيل دماً وذاكرةً أسيلُ

لم يترك الحراس لي باباً لأدخل فاتكأت على الأفق

ونظرت تحت

نظرت فوق

نظرت حول

فلم أجد

أفقاً لأنظر ، لم أجد في الضوء إلا نظرتي

ترتد نحوي . قلت عودي مرةً أخرى إلي ، فقد أرى

أحداً يحاول أن يرى أفقاً يرممه رسول

برسالة من لفظتين صغيرتين : أنا ، وأنتِ

فرحٌ صغيرٌ في سريرٍ ضيقٍ … فرحٌ ضئيل

لم يقتلونا بعد ، يا ريتا ، ويا ريتا ..

ثقيل

هذا الشتاء وبارد

…. ريتا تغني وحدها

لبريد غربتها الشمالي البعيد : تركتُ أمي وحدها

قرب البحيرة وحدها ، تبكي طفولتي البعيدة بعدها

في كل أمسية تنام ضفيرتي الصغيرة عندها

أمي ، كسرت طفولتي وخرجت إمرأةً تُربِّي نهدها

بفم الحبيب . تدور ريتا حول ريتا وحدها :

لا أرض للجسدين في جسد ، ولا منفى لمنفى

في هذه الغرف الصغيرة ، والخروج هو الدخول

عبثا نغني بين هاويتين ، فلنرحل ليتضح السبيل

لا أستطيع ، ولا أنا ، كانت تقول ولا تقول

وتهدئ الأفراس في دمها : أمن أرض بعيدة

تأتي السنونو ، يا غريب ويا حبيب ، إلى حديقتك الوحيدة ؟

خذني إلى أرض البعيدة

خذني إلى الأرض البعيدة ، أجهشت ريتا : طويل هذا الشتاء

وكسرت خزف النهار على حديد النافذة

وضعت خلخالها الصغير على مسودة القصيدة

ورمت جواربها على الكرسي فانكسر الهديل

ومضت إلى المجهول حافيةً ، وأدركني الرحيل





محمود درويش

18‏/07‏/2009

و كم ذا بمصر !!!

سنة خامسة ..

تأتي إليناحاملاً كيسك فوق الظهر

حافي القدمين وعلى وجهك أحزان السماوات

وأوجاع الحسين

سنلاقيك على كل المطارات ..

بباقات الزهور

وسنحسو نخب تشريفك أنهار الخمور

سنغنيك أغانينا ..

ونلقي أكذب الأشعار ما بين يديك

وستعتاد علينا ..

مثلما اعتدنا عليك ..

نحن ندعوك لتصطاف لدينا ..

مثل كل السائحين

وسنعطيك جناحاً ملكياً

لك جهزناه من خمس سنين

سوف تستمتع بالليل ..

وأضواء النيون وبرقص الجيرك ..

والجاز ..

وأفلام الشذوذ ..

فهنا ..

لا نعرف الحزن ولا من يحزنون

سوف تلقى في بلادي ما يسرك :

شققاً مفروشة للعاشقين

وكؤوساً نضبت للشاربين

وحريماً لأمير المؤمنين ..

فلماذا أنت مكسور الجناح ؟

أيها الزائر ذو الوجه الحزين

ولدينا الماء ..

والخضرة ..

والبيض الملاح

ونوادي الليل تبقى عندنا مفتوحة حتى الصباح ..

فلماذا تتردد ؟

سوف ننسيك فلسطين ..

ونستأصل من عينيك أشجار الدموع

وسنلغي سورة ( الرحمن ) .. و( الفتح )..

ونغتال يسوع ..

وسنعطيك جوازاً عربياً

شطبت منه عبارات الرجوع …

سنة خامسة ..

سادسة ..

عاشرة ..

ما تهم السنوات ؟

إن كل المدن الكبرى

من النيل إلى نهر الفرات

ما لها ذاكرة أو ذكريات

كل من سافر في التيه نسيناه ..

ومن قد مات مات ..

ما تهم السنوات ؟

نحن أعددنا المناديل ،

وهيأنا الأكليل

وألفنا جميع الكلمات

ونحتنا قبل أسبوع رخام الشاهدات

أيها الشرق الذي يأكل أوراق البلاغات ..

ويمشي كخروف خلف كل اللافتات

أيها الشرق الذي يكتب أسماء ضحاياه ..

على وجه المرايا …

وبطون الراقصات ..

ما تهم السنوات ؟

ما تهم السنوات ؟

نزار قباني

*****

وطن لم يعد يصلح وجه المهرج الذي يرتديه في إضحاك الأطفال

يذكرني حالنا دائما بنكتة الرجل الذي ذهب للعرافة ليسألها عن طالعنا
فقالت له : هتحتلكم الدول 100 سنة
فسألها بلهفة : و بعدين
قالت له بهدوء " هتاخدوا على كده "
أتمنى يكون كده بس

30‏/06‏/2009

مقطع من نص " أنا واحد لو أردت "




مضوا كلهم

بينما أنت باق ٍ

تشاركني في الهواء الشحيح ..

التلفت ..

قضم الأظافر ..

تعدو إلى القادمين

و خلف الخطى

في انتظار البعيدين جدا ً

تغني

لكل البعيدين طعم الشجن ْ

و ترجع

لا شئ إلآ غبار النوافذ

و الشك

هل سوف تأتي ؟

ترى أي لون سيزهو بها ؟

أي عطر ٍ سيختارها اليوم عطرا ً ؟

تئن ْ

وحيدان جدا ً

فهل ترتضيني شريكا ً بصمتك ؟
محمد مصطفى

01‏/06‏/2009

3 مقاطع

مطر ..
مطر ..
أتعلمين أيَّ حُزْنٍ يبعث المطر ؟
وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمر ؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع ؟
بلا انتهاء – كالدَّم المراق ، كالجياع ،
كالحبّ ، كالأطفال ، كالموتى – هو المطر !
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر

*****

الداء يثلج راحتي، ويطفيء الغد ... في خيالي
ويشل أنفاسي ويطلقها كأنفاس الذبال
تهتز في رئتين يرقص فيهما شبح الزوال
مشدودتين إلى ظلام القبر بالدّم والسعال ..

واحسرتا ؟! كذا أموت ؟ كما يجف ندى الصباح ؟
ما كاد يلمع بين أفواف الزنابق والأقاحي
فتضوع أنفاس الربيع تهزّ أفياء الدوالي
حتى تلاشى في الهواء كأنه خفق الجناح !

كم ليلة ناديت باسمك أيها الموت الرهيب
وودت لا طلع الشروق علي إن مال الغروب
بالأمس كنت أرى دجاك أحب من خفقات آل
راقصن آمال الظماء ... فبلها الدم واللهيب !

بالأمس كنت أصيح : خذني في الظلام إلى ذراعك
وأعبر بي الأحقاب يطويهن ظل من شراعك
خذني إلى كهف تهوم حوله ريح الشمال ..
نام الزمان على الزمان به وذابا في شعاعك

كان الهوى وهما يعذبني الحنين إلى لقائه
ساءلت عنه الأمنيات وبت أحلم بارتمائه
زهراَ ونوراَ في فراغ من شكاة وابتهال ..
في ظلمة بين الأضالع تشرئب إلى ضيائه

واليوم حببت الحياة إلى وابتسم الزمان
في ثغرها وطفا على أهدابها الغد والحنان
سمراء تلتفت النخيل المساهمات إلى الرمال
في لونها وتفر ورقاء ويأرج أقحوان

شع الهوى في ناظريها فاحتوانب واحتواها
وارتاح صدري وهو يخفق باللحون على شذاها
فغفوت استرق الرؤى والشاعرية من رؤاها
وأغيب في الدفء المعطر كالغمامة في نداها

عينان سوداوات أصفى من؟ أماسي اللقاء
وأحب من نجم الصباح إلى المراعي والرعاء
تتلألأ عن الرجا كليلة تخفي دجاها
فجراَ يلون بالندى درب الربيع وبالضياء

سمراء يا نجما تألق في مسائي أبغضيني
واقسي علي ولا ترقى للشكاة وعذبيني
خلي احتقار في العيون وقطبي تلك الشفاها
فالداء في صدري تحفز لافتراسك في عيوني !

يا موت يارب المخاوف والدياميس الضريرة
اليوم تأتي ؟! من دعاك ؟ ومن أدراك أن تزوره ؟
أنا ما دعوتك أيها القاسي فتحرمني هواها
دعني أـعيش على ابتسامتها وان كانت قصيرة


لا ! سوف أحيى سوف أشقى سوف تمهلني طويلا
لن تطفيء المصباح لكن سوف تحرقه فتيلا
في ليلة في ليلتين سيلتقي آها فآها
حتى يفيض سني النهار فيغرق النور الضئيلا !!

*****
سوف أمضي حوّلي عينيك لا ترني إليّا
إن سحراً فيهما يأبى على رجلي مسيرا
إن سراً فيهما يستوقف القلب الكسيرا
وارفعي عني ذراعيك ... فما جدوى العناق
إن يكن لا يبعث الأشواق فيّا ؟
اتركيني ها هو الفجر تبدى، ورفاقي
في انتظاري


بدر شاكر السياب

28‏/05‏/2009

أماه


حبا في ساحة الدار

و كركر حين فاجأها

جوار السور مطروحة

و فاجأ بعض أزهار ٍ مبعثرة ٍ

على صدر ٍ جميع عراه مفتوحة

تصيح :

تعال يا ولدي ..

تعال ارضع

فخف لها على أربع

و غرد ثغره :

أماه

و كركر حين لم تسمع

و شد رداءها و رؤاه

دغدغة ٌ و أرجوحة

و ردد عاتبا ً :

أماه

و ظلت في جوار السور مطروحة

و ظلت بضع أزهار ٍ تنز دما ً

على صدرٍ جميع عراه مفتوحة

تصيح :

تعال يا ولدي

سميح القاسم

10‏/05‏/2009

تامر باشا









- لا تعليق -

أسماكم حرث ٌ لكم



وجهي أحبُّ إليَّ مِنْ قلبي

وذنبي .. من عيوبي

قال الصديقُ ..
وغاب في الدرب الطليقِ

تبعْتُهُ وأجبتُهُ :

لا دَخْلَ لي بالأنبياءِ

ولم أهاجرْ في الشتاءِ

ولا أحب النازحين من الجنوبِ

كان الصعيد يرفُّ في الرؤيا

ويخترق المجاز

وكنت أنتظر الذين يعاودون من الحجاز

وكنت أرقب حاضري

من أيِّ مائدةٍ

ستخترع السماء وليمةً للناس ؟

تطعمهم أمانيَّ الحياةِ على بكاء العندليبِ

قال الحواريون :

"أنصارَ الإله نكونُ"

لكن عاد موسى :

" مَنْ مجيبي .. ؟!"

فأجبتُهُ :

قلمي أحبُّ إليَّ من كتبي

وخيلي .. من دروبي

لغتي تثنّت بين كنتُ ..

وكان تقويمي تعرَّجَ

في سراديب الإضاءة

ليس لي وهجٌ سيقوى

كي أودَّ الآن أن أحيى

بفكرة شاعرٍمتفلسفٍ

في القول ميّالٍ إلى التجريب

ممتلئٍ بياضا في دجى الكون الكئيبِ

(لي هدأةٌ بعد البلاد بخطوتين)

ولي انسجامٌ في الصفات مع الكتاب

ولي ارتياحٌ للقبيلة دون تضخيمٍ لها

حتى تسمَّى دولةً

لي فسحةٌ في الوقت

أقضيها طوال العام منكفئا على لغتي

ولي وقتي

ولي وجعي أنا

وتشنج القلم الغريبِ

وجعي أحبُّ إليَّ من ألمي

وموتي .. من غروبي

يتلعثم التقويمُ عند شموخنا

وأمام أعيننا يغادر لحنه الملكيَّ

يحفظ ما يشاء من الكتابة

حين نمضي يستزيدُ من العطاء

ونستزيد من الفضاء الحر

والقصص العجيبِ

والأرض دائرة الصراع بعلمها المرئيِّ

أو تهويمها المخفيِّ

ما أُلْقى على الملكيْنِ

هاروتٍ وماروتٍ

ب"باب الخلقِ" !

لا يستودعان السحر من أحدٍ

سوى المطرود من سعة الإله

وظلَّةِ العرش الرحيبِ

اسمي أحبُّ إليَّ من صفتي

وجسمي .. من ندوبي

أسماؤكم حرثٌ لكم

فأتوا الأسامي حيثما شئتم

ولا تتردوا في النطق

والإيلاج في أذن البعيد

هناك من قبل القريبِ

متنافسان ككل حلم فارهٍ

لا شيء يأتي الأرض منفردا

سوى وجع الخطى وسخافتي

وأمام عينيك اللتين عشقت

كان الكون أحمرَ

ربما هو الانعكاس أمام ضوء الشمس

أو لَهَفِي عليْكِ

وربما هو الانغماس الفذُّ

في تهويمة الإحساس أو تشبيكة الأيدي

إذا ما الراس فوق الراس

أو كفاك إذ تتشنجان وأنتِ تحتي

تصرخين بـ "يا حبيبي"

سنعود من غدنا إلى غدنا

فبالأمس استطاع اليوم أن يتعلم التنجيم

شاء الوقت أن ألقاكِ

شاء القلب أن تبقي

وحين نفيق من فوران أعضاءٍ حملناها

ونهدأ سوف أسأل مازحا

"هل أنتِ من باريس ؟"

تبتسمين أضحك ثم في دلعٍ

تصبِّين الكلام عليَّ في شفتيَّ

" بل من قلب أعماق الجنوبِ "

وتعود لي الرؤيا :

فتاةٌ – رغم عنف سوادهم – بيضاءُ

تحسبها الثلوجَ وحين تلمسها ترى البركانَ

تهجر قرية الهيجان والحرمان تزحف للمدينة

والمدينة من طبائعها تجبُّ الوافدين

ولا تهادن أهلها

وإذا استوتْ في لبسها العصري

أتقنتِ المدينة واستراحت نحوها

مسَّ الخضارُ نباتَها فتعرَّشتْ

وترعرعتْ

ونمتْ

وقالتْ

"موطني جسدي وخارطتي على خصري

وأعضائي شعوبي"

بنتٌ من الماء النقيِّ تصنَّعتْ

وأتت إليَّ يسوقها شوق القصيد إلى الرويِّ

تحس بي وكأنها مني

وألبسها كأن جمالها حكرا عليَّ

كأنها روحي التي رُدَّت إليَّ

كأنني العاصي الذي وجد الوليَّ

وتاب بين يديه واستلقى الظهيرة

ثم قام العصر صلَّى

عندما وجدوه مجذوبا

تدرْوش في المغيبِ

كان الصعيد يطل من خلفية الأحداث

تحتدم المشاهدُ يدخل العربان في الموضوع

تهرب من خناجرهم

وتأتي لي فأحضنها وأهمس

" لا تخافي

سوف أحميكِ"

استراحت في يدي أردفتُ

"حتما لن تؤوبي"

وأنا أحيط بها بأحضاني سريعا

غافلتني

وازدرتْ شوقي وقالت في خطاب تافهٍ :

"دع عنك حبي

إنني أخشى عليك"

سقطتُ مذهولا عليَّ

وقلتُ

"بالتأكيد حلمٌ سوف أصحو منه"

لكن حين لم أصحُ اسْتشطتُ

عرفتُ كيف أبيع ذاكرتي

وأكسب في حروبي

سيفي أحبُّ إليَّ من ترسي

وكرِّي .. من كعوبي

وأمام عينيْكِ

استضافتني ذنوبي

يبدو سألحق صاحبي ليصيح بي :

اسمي أحبُّ إليَّ من وجهي

وحلمي .. من نصيبي


محمد قرنة

08‏/05‏/2009

مقطعان

سألتك أن تريديني خريفا و نهرا
سألتك أن تعبري النهر وحدي
و تنتشري في الحقول معا
سألتك ألا أكون و ألا تكوني
سألتك أن ترتديني
خريفا
لأذبل فيك، و ننمو معا
سألتك ألا أكون و ألا تكوني
سألتك أن تريديني
نهرا
لأفقد ذاكرتي في الخريف
و نمشي معا
و في كل شيء نكون
يوحدّنا ما يشتّتنا
ليس هذا هو الحبّ
في كل شيء نكون
يجددنا ما يفتّتنا
ليس هذا هو الحبّ
هذا أنا..
أجيئك منك، فكيف أحبك؟
كيف تكونين دهشة عمري؟
و أعرف
أن النساء تخون جميع المحبين إلا المرايا
و أعرف:
أن التراب يخون جميع المحبين إلا البقايا
أجيئك منك انتظارا
و أغرق فيك انتحارا
أجيئك منك انفجارا
و أسقظ فيك شظايا ..
و كيف أقول أحبك ؟
كيف تحاول خمس حواسّ مقابلة المعجزة
و عيناك معجزتان ؟
تكونين نائمة حين يخطفني الموج
عند نهاية صدرك يبتديء البحر
ينقسم الكون هذا المساء إلى إثنين:
أنت و مركبة الأرض.
من أين أجمع صوت الجهات لأصرخ:
إني أحبك


*****


وصلت إلى الوقت مبتعدا
لم يكن بلدا
كي أقول وصلت
و ما كان- حين وصلت- سدى
كي أقول تعبت
و ما كان وقتا لأمضي إليه ..
وصلت إلى الوقت مبتعدا
لم أجد أحدا
غير صورتها في إطار من الماء
مثل جبيني الذي ضاع بيني
و بين رؤاي سدى!
سمعت دمي
فاستمعت إليك
مشيت
لأمشي إليك
و كانت عصافير ملء الهواء
تسير ورائي
و تأكلني -كنت سنبلة -
كنت أحمل ضلعا و أسأل أين بقية
آخر الشهداء
يحاول ثانية
كيف أحمل نهرا بقبضة كفي
و أحمل سيفي
و لا يسقطان
أنا آخر الشهداء
أسجل أنك قدسية في الزمان وضائعة
في المكان
أريد بقية ضلعي
أريد بقية ضلعي
أريد بقية ضلعي

محمود درويش

29‏/04‏/2009

أنا لوحدي


أنا لوحدي

مفيش حاجة

مجرد إسم متشخبط على ورقة

في إيد واحد مدير أصله قومسيونجي

يقدمها لتركي و لا لخواجة

لا يعرف عربي ولا شفقة

يروح ماضي بقلم باركر بالأفرنجي

أروح مرفود

و اصبح إسم متعلق على اللوحة

تشوفه زمايلي في الجاية و في الروحة

يفوت عامل في إيده نص شقة فول

يقف و يقول ياعالم ربنا موجود

و عامنول ما رفدوا كتير

و يدخل لوحده في المصنع

و أنا أخرج

أن لوحدي

مفيش حاجة

مجرد إسم في الجلسة بيتنادى

ما بين ميت إسم و زيادة

و جدول جلستي مليان

و القاضي مهوش فاضي

يناديلي

أقوله يا سعادة البيه

مدير المصنع الدباح قطع عيشي

يقولي عشان جريمة إيه

و ينزل أسئلة

يسألها ضُبيشي

و قدامه قانون عقد العمل و دوسيه

و إسمي عليه

و نضارته و حبابي عينيه

و نا مجرد تلت كلمات على الأوراق

أسامينا أنا و والدي

و إسم اللي اترحم جدي

ما يسألنيش

و يسأل نفسه باستهزاء

عن الأوراق

و عن إثبات بمستندات

أقوله مفيش

يقولي خلاص ما تفلقنيش

و يتمزِّج محامي الشركة و يقهقه

خلاص القاضي أنهى المشكلة رسمي

و لا اترافع و لا دافع و لا زعَّق

و فيه أسماء ينادوا عليها غير إسمي

وحيد .. مدحت .. شريف .. سامي

يخشوا الجلسة بمحامي

و نا أخرج

و روحي من الشقا بتعرج

أنا لوحدي

مفيش حاجة

مجرد إسم كاتبه في دفتر الأحوال

جدع ظابط بوليس فرحان

بنجمة يمين و نجمة شمال

يقشَّر موزة و يأشر على المحضر

و يبعت عسكري يجيبني مع المُحضر

و أصبح إسم يتكفن بكل لسان

من السكان

بعيد عن بيتكو يام فلان

خلاص بيبيعوا عفش فلان

و حايطير العزال كله

بوريه و نحاس و ربطة عفش

و صاحب الملك يبقاله تلاتة جنيه و ستين قرش

و تمشي مراتي بعيالها

عشان تاكل في بيت أبوها

هناك فيه ناس يحبوها

أوصلها و ف السكة تقول ربك يعدلها

و أشوف كل الدموع بتفور

و تلمع من ورا البرقع

أقول لازم نعدِّلها

و تدخل هيا بيعيالها

و أنا أرجع انا لوحدي

صلاح جاهين
*****
أكيد مش بمناسبة عيد العمال
الله يرحمك يا عم جاهين

28‏/04‏/2009

في عبور البحر


أستعبرون البحر ؟

فلتعبروا خلف النوارس

فالنوارس وحدها قد أتقنت فن الوصول ْ

هي وحدها تدري بأن البحر ستر ٌ

خلفه ُ بحر ٌ جديد ٌ أو فتاة ٌ من ندى

نَذرتْ ضفائرها لكي يأتي الفتى المأمول ْ

و هي انعكاس الموج في وجه السماء
- إذا تبسم -

قِبلة البحار

قُبلة برنا للقادمين

تقدموا

بالأفق زاويتان شاغرتان

و امرأة تحب العطر عطرا ً صائغا ً

و ضفائرٌ تبكي فتاة ً من ندى

و فتى يعانده السبيل ْ

لما أتيتُ إلى هنا

كنتُ الحبيب و كان أقرب من أخ ٍ

و هي ابتسام الخطو في أقدامنا

قالوا لنا :

بالأفق زاويتان شاغرتان فانتخبوا

فآثرت التوحد

أكرموا صمت الفتى

و تصدقوا بالنصح و القول الطري

إذا تعسر أن ينول ْ

أستعبرون البحر ؟

فلتعبروا غرقى

فتتحدوا مع الأزرق ْ

هو آدم الألوان
أصل جمالها و جموحها

سيجئ يسحب خلفه ظل ٌ و عكاز ٌ

- بلا عوْز ٍ حقيقي ٍ -

و في العينين مصباحان

خلفهما يحث السير نحو بشارة ما

سوف يجذبكم من الأيدي

و يضحك

حين تفترقون قبل وصولكم

لا تنسفوا جسرا ً قُبيل عبوره

و تقبلوا نصف الحياة كما الطحالب و المحار ْ

نصف الحياة مناسب ٌ

للتائهين

و للمريدين الخلود َ

طحالب ٌ تمضي بهم أعمارهم

و السائحون يتابعون نموهم

أو يشترون - بمرة ٍ - صورا ً لهم

إن الخلود مقزز ٌ

فتقبلوه إذا أردتم وحدكم

أما أنا لي قصة ٌ و الموت أعرفها

سيهزمني

و بيني و الوصول مسافة ٌ

يا حالمين تشبثوا بالحلم قد تصلوا

و قد لا يستطيع الموت قلع جذوركم

الحلم قصر ٌ فاتح ٌ أبوابه

و أميرةٌ نامت

و لم يأتي الأمير بقبلة ٍ

لا وقتَ للأحلام أو أرض ٌ

إذا لم تصنعوا لخيالكم

دربا ً من الزئبق ْ

أستعبرون البحر ؟

فلتعبروا ظمأى

كما تجتازه الأسماك في وقت التزاوج ْ

لمَّا أجدْ
وقتا ً لأبكي
- حين كنتُ بعمركم -

فلتحذروا الساعات و الدمع المباغت َ

أسوأ الآمال ممنوع ٌ متاح ٌ

أجمل الآلام مأمول ٌ يراوغ ُ

سوف يأتي من يضيف إلى الحكاية صفحة ً أخرى

ستقبله الشواطئ

يلتقيه الأبرياء مهللين

و سوف يملك وقتها وقتا ً ليبكي

أكملوا من أجله

إن الطريق تراكم ٌ من خطوكم

و العمر سلعتكم

فبيعوا عمركم - من أجله - بالموت

إن الموت رائج ْ

أستعبرون البحر ؟

فلتعبروا بحذائه

و كما يليق بعاشقين ِ تثاقلوا

سيروا حفاة ً

بللوا أقدامكم بالماء و القصص المعادة

دافئٌ حضن الرمال

مناسب ٌ للحكي

أو دفن الدموع

فحرروا أرواحكم حتى تغوص بلحمه

سيروا بعكس الصوت

صوت الساحرات مضلل ٌ

فتجنبوا الإغواء و اجتنبوا دخول البحر ْ

تتمتعوا بالماء و الرمل الرطيب

و أغنيات اليود للأسماك

أو تتتبعوا سير الحياة بنأيكم

تتأثرون بكبرياء الظافرين

و تضحكون لسوء حظ الفاشلين بصمتكم

كذبابة فوق الجدار تتابعون

تعلموا الدور المهادن

أتقنوه

بعمركم أتقنته ُ

و حفظت دوري جيدا ً فحُفظت ُ عمرا ً

أحضروا بعض المقاعد و اجلسوا

أو أكملوا للمستحيل ْ

الموج يوصلكم لكم

أو جنيات البحرْ

أستعبرون البحر ؟

فلتعبروه !!
محمد مصطفى
2009

08‏/04‏/2009

21‏/03‏/2009

عيناها والحنين





تلك المسافةُ بين عينيها وأرصفة الشوارع
هي بامتداد دمٍ جرى نوراً ..
.. بأوردةٍ تُوَحِّدُ عاشِقَيْن
هي ذِكرياتٌ قد غَفَت تَحْتَ الغَمَامِ وقد بكى مَطراً
وحَنَّت فاستفاقت بين ذاكِرةٍ وعينْ
تلك المسافةُ لم تكُن إلاَّ زماناً من هوى
عُمرَاً مضى حُلماً كَمَرِّ سحابَتَيْن
مُخَلِّفاً أصداءَ ما تركَ المُغَنِّي في أماسيهِ الشريدةِ من أسى
لحناً تناثرَ في الطريقِ وفي نهايات المَفارِقِ نَغْمَتَيْنِ .. فَنَغْمَتَين
كُلُّ ما تَرَكَ المُغنِّي بين شُرفَتِها وشُرفَتِهِ الحزينةِ
كُلُّ ما تَرَكَ المُغَنِّي من صدى ..
في شُرفَتَيْن !
------------------------------
هَذي الشَّوارع من قديمٍ قد غَفَت كالحُلمِ ..
.. مُغْمِضةً على الذِكرى
فكيف استيقَظت هذا النهار لتسألَ عابريها
عن ملامِحِ عابِِرَيْن ؟
مضت بخطوهما الدروبُ إلى الغياب
ترافقا حتى نهايات المدى
وتَبَاعَدَا كَفَرَاشتيْن
لعلَّهُ المطرُ الذي تصحو على إيقاعهِ الذِكرى
فتنتفِضُ الشوارعُ من حنينٍ حينَ فاجأها
ومن ألمٍ لِبَيْن
لعَلَّهُ الوهجُ الذي قد طافَ عينيها اللتين ترامتا لَهَفَاً ..
.. لِتحتَضِنا الدروبَ أسىً
وقد صحت الرؤى
وتناثرت في أُفقِ عينيها الخريفيِّ الملامِحِ
دَمْعَتَينِ فدَمعَتَيْن
مضت كما حُلماً يمُرُّ على الطريقِ
يودُّ لو جازَ المسافةَ للحَنين مُحَلِّقاً ..
.. في غمضِ عينْ !
جازت مسافَتَها على مطرِ الطريقِ نُجيمةً خطرت على غيمٍ ..
.. كما بُسُط اللُّجينْ
-----------------------------
تلك المسافة بين عينيها وأرصفة الشوارع
هي لم تكُن إلاَّ زماناً من هوى
عُمراً مضى حُلماً كمرِّ سحابَتَيْن !
مُخلِّفاً أصداء ما تركَ المُغنِّي في أماسيهِ الشريدة من أسى
لحناً تناثر في الطريقِ وفي نهايات المفارق ..
.. نَغْمَتينِ فَنَغْمَتَيْن
كُلُّ ما تَرَكَ المغَنِّي بين شُرْفَتِها وشُرْفَتِهِ الحزينة
كُلُّ ما تركَ المُغَنِّي من صدى
في شُرفَتَيْن




حمزة قناوي

20‏/03‏/2009

استدعا


أن تدخل الجيش فتلك نقرة أما أن تعود إليه كجندي أو ضابط مستدعى فتلك (دحضيرة) فالرجوع في حد ذاته صعب تترك كل شئ و تعود برجليك أما إذا كنت ستعود إلى حباطة فهو انتحار .. ستقضي الساعات العشرين في القطار الحربي القمئ تجتر ذكريات أسوأ أيام حياتك هناك و ترسم عدة سيناريوهات لما سيحدث ثم ستدرك أن الواقع دائما ً أسوأ من كل توقعاتنا . السبب لاستدعائك غالبا ً ما يكون أحد الالتزامات التي لا تنتهي .. المتعب في الأمر أنك ستكتشف بعد الاستدعاء الثالث أو الرابع أنك و من معك قد أصبحتم " شلة الاستدعا " لقد عرفوا سكتكم و أدركوا أنكم مطيعون ماثلون فصرتم رجالهم الدائمي الحضور في ذات الوقت ينعم الباقون بحياتهم ناسين تلك الأيام الغابرة
فترة وجود الجنود المستعدين فترة صعبة يكون الكل فيها على قدم و ساق متوقعين حدوث المصائب بسرعة ألف مصيبة في الثانية فالمستدعون مستفزون غير باقين على شئ قصيري الفتيل بشكل عجيب فتتحول الوحدة كلها إلى حالة من الطوارئ المستمرة تحسبا ً لأي مشكلة
ماعلينا
إنه التزام مهم .. يقول البعض أنه يتم كل خمسة أو ستة سنوات .. الكل يعمل و يجري هنا و هناك .. ينظفون و يدهنون .. أعلام و خيام تُنصب .. و عمل يمتد إلى الفجر و يتواصل حتى المنتصف النهار ليستأنف بعد تشغيل ماكينة الكهرباء في تمام السابعة ..
طبعا ً لم أحضر كل هذا و لكنهم حكوه لي فقد كنت أقضي وقتا ً لطيفا ً في البيت في مأمورية طويلة في القاهرة ( لهذا قصة سأحكيها في وقت ما ) و عدت و المعمعة باق عليها أسبوع الكل يجري و يتعجل العمل و أنا محافظ على خلو بالي و صفاء ذهني أتحرك بسرعة السحلفاة كسائل لزج يسيل على حائط أملس
اللجنة كانت (عنابي) كما توقعت و مضى الاتزام على خير ( لذلك قصة أيضا ً سأحكيها في وقت ما غير الوقت الـ ما الأول ) و جاء يوم العودة إلى الوطن .. عودة المستعدون إلى ملكيتهم التي سلبوهم إياها لمدة خمسة عشر يوما
ما يقرب من 500 آدمي يتناثرون هنا و هناك ف انتظار حصولهم على خطاب يفيد بحضورهم و قضائهم مدة الاستدعاء .. الكل مشتعل الفتيل و خائف من عدم العودة اليوم و قضاء يومين أو ثلاثة حتى يستطيع أن يرحل
- يا باشا العقيد خالد بيقول لحضرتك إنك هتطلع مع الاستدعا
- قل له جاي
العقيد خالد سأحكي عنه الكثير لكن الخلاصة أنه ثاني أكبر القادة هنا و الرجل حبوب كالظربان ظريف كأفعى الجرس يحب الكل عدا ثلاثة الضباط الاحتياط و الزمالكاوية و لابسي النظارات الطبية و بما أني مستوف ٍ لكل تلك الشروط فقد نلت حبه و تقديره من اللحظة الأولى و بعد العديد من المواقف فقد صار لا يتوانى عن إكرامي بأفظع الكوارث كلما استطاع
- يا محمد هتروح مع الاستدعا و تركب معاهم القطر .. جهز بدلتك و روح و ارجع بكرة
- حاضر يا فندم
- ماتديهومش الجوابات غير في القطر
- أكيد يا فندم
و اخترت أحد الأتوبيسات ماضيا ً للمجهول .. الكل ينظر لي نظرات ٍ تشي بالتعاطف و الرثاء .. صديقي باس كتفي في رفق بلا سبب ٍ صريح
- اوعى تكون شايل في قلبك مني أي حاجة
- إيه يا عم هو أنا هأموت
- خد بالك من نفسك .. لو الكل وزع الجوابات ما تعملش فيها أرنولد .. بيع إنت كمان .. المهم ترجع
- ما تقلقش
الجو هنا بشع إلى حد لا يوصف البرد يأكل عظام الجميع و المطر يغسل عنهم قدرتهم على التحمل فيتدثرون بالعراء مرتعشين كأسماك الزينة .. القطار تأخر عن المعتاد بصورة مستفزة مع ورود شائعات بأنه سيأتي متأخرا ً سبع ساعات أخرى مما يعني وصوله إلى القاهرة قبل الفجر بقليل الكل متأجج الغضب ينتظرون من السادسة صباحا ً و عليهم الانتظار حتى السادسة مساء ً حسب الشائعات لا شاغل لهم إلا البحث عن ضابط ٍحقير ٍمعه جوابات 300 آدمي من المجموع لا يعرفون عنه إلا أن اسمه محمد مصطفى يُطالب البعض بإهدار دمه و البعض بسلخه و التعقلون يكتفون بتكسير عظامه فقط بعد الحصول على الخطابات,حيث هي الشئ الوحيد الذي يربطهم بالمكان و الذي يمنعهم من ركوب عربات العرب التي تملأ المكان و التي توفر عليهم ما يقرب من ثمان ساعات من العناء
أنا في أحد الأتوبيسات أنعم بالدفء بصحبة بعض الجنود مجهول الهوية لهم تماما ً
- يا باشا العقيد عايزك
هكذا قطع عسكري العقيد هنائي .. سيارته ساقطة في سيل الواقفين.. العقيد يطل من شباك السيارة ..
- أفندم
- أهه .. مش قلتلكم الظابط محمد موجود .. يا محمد الجوابات معاك
- أيوة يا فندم
- اتطمنوا بقى ..
عدت إلى مكاني السابق .. سيارته تقطع الحشود .. تبتعد .. تبتعد .. تبتعد .. و من بعيد أرى خط من البشر يتحرك صوب أتوبيسي
الرجاءات تملأ المكان تبعها ما تيسر من الدعاء و كلام يسيل منه العسل يقابله صلفي و عنادي
- ريحوا نفسكم الجوابات هتتوزع في القطر
ينصحني الجالس قربي
- يا فندم أصل النقيب فادي قالهم إنه هيديهم الجوابات هنا و لما سألوه بعد ما وصلوا قالهم إنه مش معترض بس الجوابات معاك و إنت اللي مش عايز تديهالهم .. سايسهم
- آسف
- يا باشا ما تعندش معاهم
- لا برضو
تتحول الرجاءات إلى غضب مكتوم يتحول باصطدامه بعنادي إلى تهديد خفي لا يلبث أن يظهر صريحا ً جليا ً قاطعا ً للشك ..
- برضو لأ
الصيحات تزداد عدائية مع سباب مؤدب نوعا ً ما
- لسه برضو مش عايز تماين معاهم .. سايسهم يا باشا
- لأ
الأتوبيس الآن يهتز بفعل الغضب يمينا ً و يسارا ً و ينفخ الكثيرون في النار لتشتعل أكثر .. أرمي بنظري حتى أقصى ما يستطيع فلا أرى أحد .. لا أعرف أين زملائي و أفكر هل هم أحياء استطاعوا الاختفاء أم نالوا الشهادة أم باعوا القضية و ظفروا بحياتهم
لا أعرف لماذا ذكرني موقفي بفيلم كتكوت حينما قال حكمته الخالدة " إذا كنت كده ميت و كده ميت يبقى أقعد وأموت و لا أخرجلهم و أنقتل .. أيهما أفصح " سأخرج اتخذت قراري .. و ليتني ما فعلت
أنا الآن مركز ٌ لدائرة ٍقطرها عشرة رجال لا أتبين مشاعري هل أنا خائف أم أكسبني العناد شجاعة تكفي لمواجهة تلك الموجة العارمة من الغضب .. لكني ثابت كالطود محتفظ بعنادي .. يد تجذبني من ذراعي ألتف مستعدا ً للشجار لكنها حانية تجذبني للخارج تماما ً و يسكن صاحبها في مركز الدائرة بدلا ً عني .. السيارة مفتوحة الباب تبتلع دهشتي .. يغلق السائق الباب خلفي .. يعود منقذي سالما ً بعد عدة دقائق يرمي لهم جملته الأخيرة من شباك السيارة بعد ركوبه إياها
- يا رجالة إحنا هنسأل ع القطر و نرجعلكم ما تقلقوش
ثم موجها ً كلامه لي يقول بابتسامة ودود
-حمد لله ع السلامة .. كنت هتموت يا معلم
- عمر الشقي بقي
- أنا هديتهم و وعدتهم إننا هنوزع الجوابات بعد نص ساعة لو القطر ما جاش
- ربنا يسهل
- النقيب حازم قائد الشرطة العسكرية في القطاع
طارت السيارة إل أقرب نقطة شرطة عسكرية
- التليفون عطلان يا فندم .. المطرة بقى
في مكتب قائد أقرب وحدة عسكرية للمكان ( 400 متر من مكان التجمهر ) كنا ننعم بالدفء في انتظار الشاي .. الكلام يدور معظمه حولي و المأدبة التي كانت ستقام على جثتي .. لم يقطع ضحكاتنا سوى صوت ارتطام شديد بجسم معدني ما لبث أن تكرر من الشباك طالعتنا صورة الحشود الغاضبة و قد انتشرت حول المكان و راح الأكثر غضبا ً يحاول كسر و اختراق البوابة الحديدية للمكان
- هي البوابة جامدة يا باشا
- لأ
- طب فيه أمن كفاية يسيطروا على الناس
- لأ
- قوم هديهم يا محمد
الصيحات المنددة بي تتعالى و التي تتطالب برأسي تعصف
- اديهم الجوابات .. كده كده النص ساعة خلصت
المسافة بين المكتب و البوابة تقترب من الثلاثين مترا ً العيون تتصيدني عيون من بالمكتب خلفي عيون عساكر الوحدة حولي و عيون المنتظرينني أمامي أخطو متأبطا ً حقيبتي و تخبطي و بحثي عن قرار
وزعت الخطابات في شمم ٍ يليق بالموقف موضحا ً أني وزعت إياها بعد تدخل النقيب حازم و رجائه إياي و طبعا ً و أنا في منأى عن تهديداتهم الساذجة حيث يفصل بيني و بينهم حائط و بوابة حديدية و التأكيد على قدرتي على دفنهم أحياء ً في مكانهم .. تحولت الهتافات العدائية شيئا ً فشيئا ً إلى دعوات لي و للنقيب حازم و انفض الجمع
- يا باشا هو الضابط سيف عندك ؟؟
- لأ
- لأ عندك
- لأ مش عندي
- عموما ً قل له إنه مش هيروح بيتهم سليم و الجوابات اللي معاه هناخدها هناخدها
عائدين بالسيارة بعدما عرفنا باقتراب موعد القطار .. سيارة العقيد في مواجهتنا .. أنزل من السيارة .. أبحث عن سبب منطقي لتوزيعي للخطابات .. سأقول له أنهم كادوا يفتكون بي .. و سأحكي له عن صمودي و مقاومتي .. و سأستشهد بالنقيب حازم .. سأسأله عن زملائي .. و سأصرخ في وجهه أنت السبب .. قبل أن أصل إليه بخطوة شدني الزحام من رموشي لأرى الضباط زملائي يوزعون ما معهم من خطابات
لقد انتصرت الكثرة كالعادة
*****
اعذروني كنت انتوي أن أبدأ الحكي من بداية الحكاية لكن غلبني الحدث
انتظروني ربما أعود بالبداية

05‏/03‏/2009

من سيرة الولد الوحيد 2


الولد الطيب .. طيب ْ
أخّاذ ٌ كدموع الفرحة
و شجي ٌ كوداع ٍ صامت ْ
مازل برغم البعد قريبا ً
ينتظر البنت َ
يردد إذ يسأله الصبية عنها
كانت ْ
كانت ترتاح إذا تعبت بالكف المتعب ْ
فيضم الكف برفق ٍ
و يضئ أنامله بالضوء الخافت ْ
كي لا ترتعب إذا قامت ْ
في نصف الليل لكي تشرب ْ

01‏/03‏/2009

27‏/02‏/2009

من سيرة الولد الوحيد


و كأنها الدنيا أخيرا ً

قد تخلت عن سخافتها القديمة

دونما سبب ٍ أتت

كي تحتسي شايا ً معك

و تريح رأسك

- لن تـُرى -

فانفض عناءك

سوف تمسح فوق جرحك

أو تغني للفراش

فلا تخف

خفف بدمعك من ظلامك

و اعترف

من أوجعك

و كأنها الدنيا أخيرا ً

فلتحلق

قبل أن تـُنسى

فتـُنسى شاكرا ً للحظ

- شكرا ً .. كل جميل ٌ ما فعلت

أنا انتظرتك فالتقيتك مقبلا ً

طوبى لمن ينسى ..

فيصبح عالما ً بحقيقة الأشياء

رؤية ما تعسر

حيث لا أحد ٌ يتابع خطوه

فنكون أصدق في تعاملنا

يرانا دون أن ندري

كذلك دون أقنعة ٍ

ستخلع ثوبها

فيرى هنالك شامة

ليست تحب ظهورها

أو يخلع المنهوك عنه حذاءه

و يسب شرطيا ً

تحرش بالتي كانت له

و غدت لشرطي ٍ

يسائل ظله المحني دوما ًُ

ما معك ؟؟؟

و كأنها الدنيا أخيرا ً

فانتبه

11‏/02‏/2009

أجمل


أجملُ البحار
هو البحرُ الذي لم نذهبْ إليه بعد
وأجملُ الأطفال
هم الذينَ لم يكبروا بعد
وأجملُ الأيام
هي تلكَ التي في انتظارنا
وأجملُ القصائد
هي تلك التي لم أكتبها لك بعد
...يا صغيرتي
ناظم حكمت
.
.
.
.
فانتظـــــــــــريني

08‏/02‏/2009

هاكر

واحد غبي سرق الميل بتاعي

غبي لأنه مش هيكسب حاجة

و غبي لأنه ساب الدنيا كلها و سرق ميلي أنا

يا بني حرام عليك

إنت ما تعرفش إن الضرب في الميت حرام

13‏/01‏/2009

أفرول مموه



أولست تعرفه ُ ؟؟؟


و هو الذي باع الحبيبة دونما ثمن ٍ لكي يبتاع خطوك ْ


كم مرة ٍ خط ارتجافك فوق أعقاب السجائر


صابروا ..


كونوا ..


يردد ما أصبت من الكلام ..


يكونه ُ


يغدو بصوتك كل نحو ٍ فيه نحوك ْ


يحشو المنامة بالوعود المستحيلة ..


بالزغاريد ..


اليمام ِ الحر


لم يهو َ الحمام بعمره


" هم صدروه لنا شعارا ً للسلام


لأنه يرضى بما يُرمى له


أما اليمام فمعجز ُ


تلقاه يسبق


- كلما طاردت َ-


عدوك


فإذا قنصت َ يموت في فخر ٍ


و يبقى منه موقفه ُ "


أولست تعرفه ُ


كبسملتين عيناه ُ


و حوقلة ٌ على الشفتين ْ


قد كان أنقانا ..


بريئا ً كانفلات الصبح من كفي ّ صغير ٍ


لم يُجد غيرَ الصلاة


و حبِ بنت ٍ لم تُجد إلاه


و الأحزان إن جادت ببين ْ
كانت تفوح من الحروف إذا تكلم



خبروا عني الحبيبة


قبلوا كفا ً


و كف ٌ لي أقبلها إذا آتي


فلم أودع بعينيها سلاما ً بعد ُ


سوف أعود


كي يزهو بنا الكورنيش


ينبت بين كفينا الفشار


و من خطانا ينتشي غزل البنات


و نحن نعجب


كيف يفرح زائروا الكورنيش بالموج الفتي ِّ


و ظهرهم للبحر !
لم تبتل عين ْ!!



أنا لم أبعها


خبروها


كل ما في الأمر أني لم أطق


لم أستطع أن ألتقيها


و الفضاء ملطخ ٌ بالموت


أشعر أن متسع الغرام يضيق شيئا ً تلو شيئ ٍ


خفت أن تدري


فيخجلني سكوتي


و هْو يُعمل نصله في الجرح ...


يُنزفه


أولست تعرفه ُ
كنا ثمانية ًو قالوا تسعة ً



لم يأونا كهف ٌ ولا جبل ٌ عصم ْ


غنى كثيرا ً يومها


و حكى لهم عن إخوة بالدم ْ


لم يعرفوهم إخوة بالدم ْ


لم يسألوا من هم ْ


و استعصموا بالصمت


فاقتلع الغناء َ بكاؤه المحبوس ُ


أكمل ..


- عندما ضن البكاء بدمعه -


هم إخوة في الحزن أو قل في الحياة


لهم نصيب ٌ مثلنا في الحلم ْ


أحسن لحلمك يا فتى


و احفظه عند الآخرين لكي يكون َ


الحالمون يفارقون مبكرا ً


و الصامتون يتابعون َ


فكن كما ستكون ُ


شئت َأم ارتضيتَ سيان


لكن ْ لا تعش من دون حلم ْ


جثث الضحايا يومها


لمَّا تجد غير السحاب يعدها


و هو الموزع بين صوتك و الرصاص


و أنت في الحصن البعيد بلا ألم ْ


هو من تقدم حاملا ً علما ً


و عمرا ً من أناشيد الإرادة باسما ً


حتى إذا خط الرحيلُ رحيلـَه


نسفوه


- كي يتأكدوا من موته -


و هو بدونهم


كان اجترار الجوع و الأوجاع


ينسفه ُ


الآن إن ذكروا الحروب


ظفرتَ أنت بصورة ٍ أخرى


و تمثال ٍبميدان ٍ شهير ٍ


و هْو في خلفية الألوان


وجه ٌ بين آلاف الوجوه


- إذا تذكره المصور -


و قتها من سوف يعرفه ُ !!!!


06‏/01‏/2009

بعد



لا تسل كيف ابتدينا لا ، و لا كيف انتهينا
لا تقل كيف انطوى الحبّ و لا كيف انطوينا
ملعب دار بعمرينا فولّى من لدينا
وانقضى الدور فعدنا عنه من حيث أتينا
لا تسل كيف تنائيـ نا و لا كيف التقينا


لا تقل كنّا و كان الشوق منّا و إلينا
هل شربنا خمرة الحب و هل نحن ارتوينا


آه لا خمر و لا حب ٌ متى كان و أينا
لاحت الكأس لثغريـ نا وجفّت في يدينا


***


عندما لاح بريق الكأس ولّت بالبريق
وارتشفنا من رحيق الحبّ أطياف الرحيق
و تلاشي حلم الصّفو كأنفاس الغريق
هكذا كان تلاقينا على الدور الأنيق
***
وانتهى الدور و ها نحن انتهينا من صبانا
حيث طاف الحبّ كالوهم و كالوهم تفانى
وانطوى عنّا كما تطوي الدياجير الدخانا
و تركنا في الرمال الحبّ آثار خطانا
غير أنا قد نسينا أو تناسينا لقانا


و سألنا الوهم بعد الحبّ هل كنّا و كانا
أين منّا الملعب الطفل تناغيه منانا


***


ملعب درنا به حينا فأصابانا و ملّا
ملعب ما كان أصفاه و ما أشهى و أحلى
غاب في الأمس فولّينا عن الأمس وولّى
و تسلّينا و من لم يلق ما يهوى تسلّى


عبد الله البردوني

05‏/01‏/2009

....

لماذا أحبك
إن السفينة لا تتذكر كيف أحاط بها الماء

و كيف اعتراها الدوار

لماذا أحبك

إن الرصاصة في اللحم

لا تتساءل من أين جاءت

و ليست تقدم أي اعتذار

لما أحبك

لا تسأليني

فليس لدي خيار

نزار قباني

03‏/01‏/2009

تكوين فرنسي



كان نابليون الشاب نحيفا
وضابط مدفعية
ثم أصبح امبراطورا
عندها صار له كرش وبلدان عديدة
وحينما مات ذات نهار
ظل محتفظا بكرشه
ولكنه غدا صغيرا ...

صغيرا جدا .





جاك بريفير