20‏/03‏/2009

استدعا


أن تدخل الجيش فتلك نقرة أما أن تعود إليه كجندي أو ضابط مستدعى فتلك (دحضيرة) فالرجوع في حد ذاته صعب تترك كل شئ و تعود برجليك أما إذا كنت ستعود إلى حباطة فهو انتحار .. ستقضي الساعات العشرين في القطار الحربي القمئ تجتر ذكريات أسوأ أيام حياتك هناك و ترسم عدة سيناريوهات لما سيحدث ثم ستدرك أن الواقع دائما ً أسوأ من كل توقعاتنا . السبب لاستدعائك غالبا ً ما يكون أحد الالتزامات التي لا تنتهي .. المتعب في الأمر أنك ستكتشف بعد الاستدعاء الثالث أو الرابع أنك و من معك قد أصبحتم " شلة الاستدعا " لقد عرفوا سكتكم و أدركوا أنكم مطيعون ماثلون فصرتم رجالهم الدائمي الحضور في ذات الوقت ينعم الباقون بحياتهم ناسين تلك الأيام الغابرة
فترة وجود الجنود المستعدين فترة صعبة يكون الكل فيها على قدم و ساق متوقعين حدوث المصائب بسرعة ألف مصيبة في الثانية فالمستدعون مستفزون غير باقين على شئ قصيري الفتيل بشكل عجيب فتتحول الوحدة كلها إلى حالة من الطوارئ المستمرة تحسبا ً لأي مشكلة
ماعلينا
إنه التزام مهم .. يقول البعض أنه يتم كل خمسة أو ستة سنوات .. الكل يعمل و يجري هنا و هناك .. ينظفون و يدهنون .. أعلام و خيام تُنصب .. و عمل يمتد إلى الفجر و يتواصل حتى المنتصف النهار ليستأنف بعد تشغيل ماكينة الكهرباء في تمام السابعة ..
طبعا ً لم أحضر كل هذا و لكنهم حكوه لي فقد كنت أقضي وقتا ً لطيفا ً في البيت في مأمورية طويلة في القاهرة ( لهذا قصة سأحكيها في وقت ما ) و عدت و المعمعة باق عليها أسبوع الكل يجري و يتعجل العمل و أنا محافظ على خلو بالي و صفاء ذهني أتحرك بسرعة السحلفاة كسائل لزج يسيل على حائط أملس
اللجنة كانت (عنابي) كما توقعت و مضى الاتزام على خير ( لذلك قصة أيضا ً سأحكيها في وقت ما غير الوقت الـ ما الأول ) و جاء يوم العودة إلى الوطن .. عودة المستعدون إلى ملكيتهم التي سلبوهم إياها لمدة خمسة عشر يوما
ما يقرب من 500 آدمي يتناثرون هنا و هناك ف انتظار حصولهم على خطاب يفيد بحضورهم و قضائهم مدة الاستدعاء .. الكل مشتعل الفتيل و خائف من عدم العودة اليوم و قضاء يومين أو ثلاثة حتى يستطيع أن يرحل
- يا باشا العقيد خالد بيقول لحضرتك إنك هتطلع مع الاستدعا
- قل له جاي
العقيد خالد سأحكي عنه الكثير لكن الخلاصة أنه ثاني أكبر القادة هنا و الرجل حبوب كالظربان ظريف كأفعى الجرس يحب الكل عدا ثلاثة الضباط الاحتياط و الزمالكاوية و لابسي النظارات الطبية و بما أني مستوف ٍ لكل تلك الشروط فقد نلت حبه و تقديره من اللحظة الأولى و بعد العديد من المواقف فقد صار لا يتوانى عن إكرامي بأفظع الكوارث كلما استطاع
- يا محمد هتروح مع الاستدعا و تركب معاهم القطر .. جهز بدلتك و روح و ارجع بكرة
- حاضر يا فندم
- ماتديهومش الجوابات غير في القطر
- أكيد يا فندم
و اخترت أحد الأتوبيسات ماضيا ً للمجهول .. الكل ينظر لي نظرات ٍ تشي بالتعاطف و الرثاء .. صديقي باس كتفي في رفق بلا سبب ٍ صريح
- اوعى تكون شايل في قلبك مني أي حاجة
- إيه يا عم هو أنا هأموت
- خد بالك من نفسك .. لو الكل وزع الجوابات ما تعملش فيها أرنولد .. بيع إنت كمان .. المهم ترجع
- ما تقلقش
الجو هنا بشع إلى حد لا يوصف البرد يأكل عظام الجميع و المطر يغسل عنهم قدرتهم على التحمل فيتدثرون بالعراء مرتعشين كأسماك الزينة .. القطار تأخر عن المعتاد بصورة مستفزة مع ورود شائعات بأنه سيأتي متأخرا ً سبع ساعات أخرى مما يعني وصوله إلى القاهرة قبل الفجر بقليل الكل متأجج الغضب ينتظرون من السادسة صباحا ً و عليهم الانتظار حتى السادسة مساء ً حسب الشائعات لا شاغل لهم إلا البحث عن ضابط ٍحقير ٍمعه جوابات 300 آدمي من المجموع لا يعرفون عنه إلا أن اسمه محمد مصطفى يُطالب البعض بإهدار دمه و البعض بسلخه و التعقلون يكتفون بتكسير عظامه فقط بعد الحصول على الخطابات,حيث هي الشئ الوحيد الذي يربطهم بالمكان و الذي يمنعهم من ركوب عربات العرب التي تملأ المكان و التي توفر عليهم ما يقرب من ثمان ساعات من العناء
أنا في أحد الأتوبيسات أنعم بالدفء بصحبة بعض الجنود مجهول الهوية لهم تماما ً
- يا باشا العقيد عايزك
هكذا قطع عسكري العقيد هنائي .. سيارته ساقطة في سيل الواقفين.. العقيد يطل من شباك السيارة ..
- أفندم
- أهه .. مش قلتلكم الظابط محمد موجود .. يا محمد الجوابات معاك
- أيوة يا فندم
- اتطمنوا بقى ..
عدت إلى مكاني السابق .. سيارته تقطع الحشود .. تبتعد .. تبتعد .. تبتعد .. و من بعيد أرى خط من البشر يتحرك صوب أتوبيسي
الرجاءات تملأ المكان تبعها ما تيسر من الدعاء و كلام يسيل منه العسل يقابله صلفي و عنادي
- ريحوا نفسكم الجوابات هتتوزع في القطر
ينصحني الجالس قربي
- يا فندم أصل النقيب فادي قالهم إنه هيديهم الجوابات هنا و لما سألوه بعد ما وصلوا قالهم إنه مش معترض بس الجوابات معاك و إنت اللي مش عايز تديهالهم .. سايسهم
- آسف
- يا باشا ما تعندش معاهم
- لا برضو
تتحول الرجاءات إلى غضب مكتوم يتحول باصطدامه بعنادي إلى تهديد خفي لا يلبث أن يظهر صريحا ً جليا ً قاطعا ً للشك ..
- برضو لأ
الصيحات تزداد عدائية مع سباب مؤدب نوعا ً ما
- لسه برضو مش عايز تماين معاهم .. سايسهم يا باشا
- لأ
الأتوبيس الآن يهتز بفعل الغضب يمينا ً و يسارا ً و ينفخ الكثيرون في النار لتشتعل أكثر .. أرمي بنظري حتى أقصى ما يستطيع فلا أرى أحد .. لا أعرف أين زملائي و أفكر هل هم أحياء استطاعوا الاختفاء أم نالوا الشهادة أم باعوا القضية و ظفروا بحياتهم
لا أعرف لماذا ذكرني موقفي بفيلم كتكوت حينما قال حكمته الخالدة " إذا كنت كده ميت و كده ميت يبقى أقعد وأموت و لا أخرجلهم و أنقتل .. أيهما أفصح " سأخرج اتخذت قراري .. و ليتني ما فعلت
أنا الآن مركز ٌ لدائرة ٍقطرها عشرة رجال لا أتبين مشاعري هل أنا خائف أم أكسبني العناد شجاعة تكفي لمواجهة تلك الموجة العارمة من الغضب .. لكني ثابت كالطود محتفظ بعنادي .. يد تجذبني من ذراعي ألتف مستعدا ً للشجار لكنها حانية تجذبني للخارج تماما ً و يسكن صاحبها في مركز الدائرة بدلا ً عني .. السيارة مفتوحة الباب تبتلع دهشتي .. يغلق السائق الباب خلفي .. يعود منقذي سالما ً بعد عدة دقائق يرمي لهم جملته الأخيرة من شباك السيارة بعد ركوبه إياها
- يا رجالة إحنا هنسأل ع القطر و نرجعلكم ما تقلقوش
ثم موجها ً كلامه لي يقول بابتسامة ودود
-حمد لله ع السلامة .. كنت هتموت يا معلم
- عمر الشقي بقي
- أنا هديتهم و وعدتهم إننا هنوزع الجوابات بعد نص ساعة لو القطر ما جاش
- ربنا يسهل
- النقيب حازم قائد الشرطة العسكرية في القطاع
طارت السيارة إل أقرب نقطة شرطة عسكرية
- التليفون عطلان يا فندم .. المطرة بقى
في مكتب قائد أقرب وحدة عسكرية للمكان ( 400 متر من مكان التجمهر ) كنا ننعم بالدفء في انتظار الشاي .. الكلام يدور معظمه حولي و المأدبة التي كانت ستقام على جثتي .. لم يقطع ضحكاتنا سوى صوت ارتطام شديد بجسم معدني ما لبث أن تكرر من الشباك طالعتنا صورة الحشود الغاضبة و قد انتشرت حول المكان و راح الأكثر غضبا ً يحاول كسر و اختراق البوابة الحديدية للمكان
- هي البوابة جامدة يا باشا
- لأ
- طب فيه أمن كفاية يسيطروا على الناس
- لأ
- قوم هديهم يا محمد
الصيحات المنددة بي تتعالى و التي تتطالب برأسي تعصف
- اديهم الجوابات .. كده كده النص ساعة خلصت
المسافة بين المكتب و البوابة تقترب من الثلاثين مترا ً العيون تتصيدني عيون من بالمكتب خلفي عيون عساكر الوحدة حولي و عيون المنتظرينني أمامي أخطو متأبطا ً حقيبتي و تخبطي و بحثي عن قرار
وزعت الخطابات في شمم ٍ يليق بالموقف موضحا ً أني وزعت إياها بعد تدخل النقيب حازم و رجائه إياي و طبعا ً و أنا في منأى عن تهديداتهم الساذجة حيث يفصل بيني و بينهم حائط و بوابة حديدية و التأكيد على قدرتي على دفنهم أحياء ً في مكانهم .. تحولت الهتافات العدائية شيئا ً فشيئا ً إلى دعوات لي و للنقيب حازم و انفض الجمع
- يا باشا هو الضابط سيف عندك ؟؟
- لأ
- لأ عندك
- لأ مش عندي
- عموما ً قل له إنه مش هيروح بيتهم سليم و الجوابات اللي معاه هناخدها هناخدها
عائدين بالسيارة بعدما عرفنا باقتراب موعد القطار .. سيارة العقيد في مواجهتنا .. أنزل من السيارة .. أبحث عن سبب منطقي لتوزيعي للخطابات .. سأقول له أنهم كادوا يفتكون بي .. و سأحكي له عن صمودي و مقاومتي .. و سأستشهد بالنقيب حازم .. سأسأله عن زملائي .. و سأصرخ في وجهه أنت السبب .. قبل أن أصل إليه بخطوة شدني الزحام من رموشي لأرى الضباط زملائي يوزعون ما معهم من خطابات
لقد انتصرت الكثرة كالعادة
*****
اعذروني كنت انتوي أن أبدأ الحكي من بداية الحكاية لكن غلبني الحدث
انتظروني ربما أعود بالبداية

هناك تعليقان (2):

بللورة يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
سأظل أشبه نفسى بالانسانه ... يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.