‏إظهار الرسائل ذات التسميات آراء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات آراء. إظهار كافة الرسائل

01‏/03‏/2009

04‏/09‏/2008

طوق الياسمين


دائما ما تلتمع أمامي تلك القصيدة كمثال للشك الدائم لدى المحبوب بخصوص مبادلة الآخر له الحب حبا ً صافيا ً
عذرا ً لأنصار أصدق الحب ما شك في الوصل صاحبه

*****

شكراً.. لطوقِ الياسَمينْ
وضحكتِ لي.. وظننتُ أنّكِ تعرفينْ
معنى سوارِ الياسمينْ
يأتي بهِ رجلٌ إليكِ..
ظننتُ أنّك تُدركينْ..
وجلستِ في ركنٍ ركينْ
تتسرَّحينْ
وتُنقِّطين العطرَ من قارورةٍ وتدمدمينْ
لحناً فرنسيَّ الرنينْ
لحناً كأيّامي حزينْ
قَدماكِ في الخُفِّ المُقَصَّبِ
جَدولانِ منَ الحنينْ
وقصدتِ دولابَ الملابسِ
تَقلعينَ.. وترتدينْ
وطلبتِ أن أختارَ ماذا تلبسينْ
أَفَلي إذنْ؟
أَفَلي إذنْ تتجمَّلينْ؟
ووقفتُ.. في دوّامةِ الألوانِ ملتهبَ الجبينْ
الأسودُ المكشوفُ من كتفيهِ..
هل تتردّدينْ؟
لكنّهُ لونٌ حزينْ
لونٌ كأيّامي حزينْ
ولبستِهِ
وربطتِ طوقَ الياسمينْ
وظننتُ أنّكِ تَعرفينْ
معنى سوارَ الياسمينْ
يأتي بهِ رجلٌ إليكِ..
ظننتُ أنّكِ تُدركينْ..
هذا المساء..
بحانةٍ صُغرى رأيتُكِ ترقصينْ
تتكسَّرينَ على زنودِ المُعجَبينْ
تتكسَّرينْ..
وتُدَمدمينْ..
في أُذنِ فارسِكِ الأمينْ
لحناً فرنسيَّ الرنينْ
لحناً كأيّامي حزينْ
وبدأتُ أكتشفُ اليقينْ
وعرفتُ أنّكِ للسّوى تتجمَّلينْ
ولهُ ترُشِّينَ العطورَ..
وتقلعينَ..
وترتدينْ..
ولمحتُ طوقَ الياسمينْ
في الأرضِ .. مكتومَ الأنينْ
كالجُثَّةِ البيضاء..
تدفعُهُ جموعُ الراقصينْ
ويهمُّ فارسُكِ الجميلُ بأخذِه ..
فتُمانعينْ..
وتُقَهقِهينْ..
" لا شيءَ يستدعي انحناءَكَ ..
ذاكَ طوقُ الياسمينْ.. "

نزار قباني

لهواة الاستماع ... اضغطوا هنا

18‏/07‏/2008

عن العذريين "1"




من قناعتاي الشخصية أن الحب لا يمكن أن يتحول - أيا ً كانت الظروف - إلى مبارة شطرنج يفكر فيها كل طرف أي قطعة يحرك و لماذا أو كيف يدافع ضعفا ً أم يهاجم عشقا ً و لا إلى حلبة للمصارعة الرومانية حيث الجميع يصيح :

اقتله ... اقتله

فلا يدرك المنتصر أنه أيضا َ قُتل

أراه دوما ً أشبه بالماء المنساب بين الأصابع حرا ً شفيفا ً حالة ًصوفية ًمن العشق الصافي عشق يعلو فوق الأطماع و الأغراض البشرية يعلو فوق الجسد متجها ً صوب الروح ... الروح فقط حيث للحديث لون و للصمت طعم و صوت

لذلك أميل دائما إلى أصدقائي - إن جاز التعبير طبعا ً- العذريين أراهم المادة الخام لشخصية العاشق كما أنتظرها القانع بالظل تاركا ً الساحة للمتحذلقين و مدعي الحب المتفاخرين بفحولتهم و مغامراتهم التي لا تنتهي

و بالرغم من شهرة قيس و شجاعة جميل و حنان ابن ذريح أجدني دوما ً أفضل كثير عزة ذلك اليتيم الأعرج شديد القصر قبيح الوجه و القسمات الشيعي في دولة يحكمها الأمويون المثال الحي للاغتراب و النبذ - و الشاعر لا بد أن يكون مغتربا ً منبوذا ً فإن لم يكن يصنع غربته الخاصة بنفسه - كان كثير ذكيا ً فأدرك من البداية أن قدره كتب عليه هذا الاغتراب اللا منتهي فقبله عن رضا ً و تعايش معه بشكل عبقري و إن قدم العديد من التنازلات فيكفي استخفاف الحاشية به و تهكمهم عليه و على تشيعه و يكفي لتصوير معاناته و استهزائهم به أنه سمّي كثِّير على سبيل التصغير و اشتهرت مقولة بعضهم :
وياريت كثير يطوف بالبيت فمن حدثك أنه يزيد عن ثلاثه أشبار فلا تصدقة .
و أنه كان إذا أُدخل علي عبد الملك بن مروان – الخليفة الأموي يقول طأطي رأسك حتى لا يصيبه السيف في غمده وفي يوم من الأيام و بمجرد أن دخل كثيرعزة على الخليفة عبد الملك بن مروان كست الدهشة و التعجب ملامح الملك و حاشيته لما رأوه فقد كان كثير عزة رث الثياب مما أضاف إلى شكله المزيد من الدمامة فأخذ الجميع يتهامسون:


أهذا هو الشاعر كثير عزة الذي ملأ صيته الآفاق؟

فقال الخليفة المثل العربي الشهير:

تسمع بالمُعيدي خيرٌ من أن تراه !!

فرد عليه كثير عزة فورا :

مهلاً يا أمير المؤمنين ، فإنما الرجل بأصغريه ، قلبهِ ولسانه

و بعدها أخذ كثير عزة ينشد أبيات العباس بن مرداس :
تَرى الرَجُلَ النَحيفَ فَتَزدَريهِ وَفي أَثوابِهِ أَسَدٌ مُزيرُ
وَيُعجِبُكَ الطَريرُ فَتَبتَليهِ فَيُخلِفُ ظّنَّكَ الرَجُلُ الطَريرُ
فَما عِظَمُ الرِجالِ لَهُم بِفَخرٍ وَلَكِن فَخرُهُم كَرَمٌ وَخَيرُ


بُغاثُ الطَيرِ أَكثَرُها فِراخاً وَاُمُّ الصَقرِ مِقلاتٌ نَزورُ
ضِعافُ الطَيرِ أَطوَلُها جُسوماً وَلَم تَطُلِ البُزاةُ وَلا الصُقورُ
ضِعافُ الأُسدِ أَكثرُها زَئيراً وَأَصرَمُها اللَواتي لا تَزيرُ
لَقَد عَظُمَ البَعيرُ بِغَيرِ لُبِّ فَلَم يَستَغنِ بِالعِظَمِ البَعيرُ
يُصَرِّفُهُ الصَبيُّ بِكُلِّ وَجهٍ وَيَحبِسُهُ عَلى الخَسفِ الجَريرُ


أو موقفه مع جميل و قد كان جميل فارسا ً صبوح الوجه ذا شأن و سلطان جاءه يسأله :

لقد سمعت بعض الناس يقولون أنك أشعر مني فهل هذا صحيح ؟؟

فما كان من كثير و هو خليق بالفعل بما قيل إلا أنه نفى و دعا المارة ليقر أمامهم بتفوق جميل

و كأنه اكتفى بطول حياته بقدره الشعري الذي لا يمكن أن يسخر منه حيث اشتهر بأنه أشهر شعراء الآلام في زمانه



و كان منذ صغره سليط اللسان حتى كلفه عمه - الذي يكفله بعد موت أبيه - برعاية الغنم ليحميه من معاشرة أصدقاء السوء

و يقال أنه كان يرعى الغنم ذات يوم فمر بنسوة من بني حمزة فأرسلن له فتاة صغيرة تطلب أن يبيعها كبشا ً فسحرته عيناها من النظرة الأولى فقبل البيع راضيا ً و لم يطلب منها ثمنا ً سأل بعض النسوة عن اسمها فقيل له عزة فلما رجع جاءته امرأة منهن بدراهمه فقال لها : أين الصبية التي أخذت مني الكبش ؟

قالت :

ما تصنع بها ؟ هذي دراهمك

فقال :

لا اخذ دراهمي إلا ممن دفعت إليه

فانصرفت

وهو ينشد :

قضى كل ذي دين فوّفى غريمه

وعزّة ممطول معنّى غريمها

شغلته عزة كثيرا ً و راح يتحين الفرص ليمر من ذات المكان لعله يلقاها و راح ينشد ظلها الساكن فيه يبثه لوعته كقوله :
رُهـبانُ مَديَنَ وَالذينَ عهدتهم
يَبكونَ مِن حَذَرِ العَذابِ قُعودا
لو يَسمَعونَ كَما سَمِعتُ كَلامَها
خَـرُّوا لِـعَزةَ رُكَّعا ًوَسُجودا
وبسبب هذين البيتين امتنع عمر بن عبد العزيز عن الإذن لكثيّر بالدخول عليه لما تولي الخلافة


أو قوله :

ولمّا رأتْ وجدي بها وتبيَّنتْ صَبَابَة َ حَرَّانِ الصَّبَابَة ِ صَادِ

أدَلَّتْ بصبرٍ عندها وجلادة ٍ وتحسبُ أنَّ النّاسَ غيرُ جلادِ

فَيَا عَزَّ صَادِي القَلْبَ حَتَّى يَوَدَّني فؤادُكِ أو رُدّي عليَّ فؤادي

أو قوله :

وإنّي لأَسْمُو بالوِصَالِ إلى التي يكونُ شفاءً ذكرُها وازديارُها

أو قوله :

أيا عزَّ لو أشكو الذي قد أصابني إلى ميِّتٍ في قبرهِ لبكى ليا

ويا عَزَّ لو أشْكُو الذي قَدْ أصَابَني إلى راهبٍ في ديرهِ لرثى ليا

وَيَا عَزَّ لو أشْكُو الذي قَدْ أصَابَني إلى جَبَلٍ صَعْبِ الذُّرى لانحنى ليا

وَيَا عَزَّ لو أشْكُو الذي قَدْ أَصَابَني إلى ثَعْلَبٍ في جُحْرِهِ لانْبَرى ليا

وَيَا عَزَّ لو أشْكُو الذي قَدْ أَصَابني إلى موثقٍ في قيدِهِ لعدا لِيا

أو قوله الظريف :

ألا ليتنا يا عزُّ من دون ريبة ٍ

بعيران نرعى في المراعي ونسرحُ

طلبها للزواج و لكنه قوبل بالرفض التام لعلمهم بتشببه بها و لتشيعه و ضعفه و ضعف مركز الملحوظ لكن عزة أحبته ربما أكثر من حبه ذاته - و كأنثى تحب -ساندته و راحت تقابله سرا ً و لقد ذكر كثير الكثير عن لقاءتهما في أشعاره كقوله :

وقلتُ لها يا عزَّ أرسلَ صاحبي على نأي دَارٍ والرَّسُولُ مُوَكَّلُ

بأن تجعلي بيني وبينكِ موعداً وأنْ تأمُريني بالذي فيها أفعلُ

وآخرُ عهدٍ منكِ يوم لقيتني بِأَسْفَلِ وَادِي الدَّوْمِ والثوْبُ يُغسلُ

فذاع صيته و اشتهرت قصتهما جدا ً فما كان من عائلة عزة إلا أن زوجوها و أرسلوها و زوجها إلى مصر فذهب إلى مصر و استقر عند صديق له طلبا ً للقرب منها حتى أقنعه صديقه بالعودة إلى الوطن من جديد

فرجع حتى علم بأن عزة و زوجها يزمعان الحج فقال :

والله لأحجن لعلي أفوز من عزة بنظرة..

فبينما الناس في الطواف إذ نظر كثير لعزة وقد مضت إلى جمله - و هي تعرفه - فحيته ومسحت بين عينيه وقالت له حييت يا جمل فبادر ليلحقها ففاتته فوقف على الجمل وقال :
حيتك عزة بعد الحج وأنصرفت


فحي ويحك من حياك ياجـــــمل

لو كنت حييتها ما كنت ذا سرف

عندي ولا مسك الادلاج والعمل
فسمعه الفرزدق فتبسم وقال له :


من تكون يرحمك الله..

قال:

أنا كثير عزة فمن أنت يرحمك الله

قال :

أنا الفرزدق بن غالب التميمي..

قال :

أنت القائل :
رحلت جمالهم بكل أسيلــــــــــــــــة


تركت فؤادك هائما مخـبولا

لو كنت أملكهم إذا لم يرحــــــــــلوا

حتى أودع قلبي المتــــــبولا

ساروا بقلبي في الحدوج وغـادروا

جسمي يعالج زفرة وعويلا
فقال الفرزدق :


نعم..

فقال كثير:

والله لولا أني بالبيت الحرام لأصيحن صيحة ً أفزع هشام بن عبد الملك وهو على سرير ملكه

فقال الفرزدق :

والله لأعرفن بذلك هشاما ً ثم توادعا وافترقا.
فلما وصل الفرزدق إلى دمشق دخل إلى هشام بن عبد الملك فأخبره بما كان من كثير فقال له :


أكتب إليه بالحضور عندنا لنطلق عزة من زوجها ونزوجه إياها

فكتب إليه بذلك فخرج كثير يريد دمشق فلما خرج من حيه وسار قليلا ًرأى غرابا على بانة ٍيفلي نفسه وريشه يتساقط فاصفر لونه وارتاع من ذلك وجد ّفي السير ثم إنه مال ليسقي راحلته من حي بني نهد وهم زجرة الطير فبصر به شيخ من الحي فقال له :

يا ابن أخي أرايت في طريقك شيئا فراعك

قال :

نعم ياعم رأيت غرابا على بانة ٍيتفلى وينتف ريشه

فقال له الشيخ :

أما الغراب فإنه إغتراب والبانة بَيْن والتفلي فرقة فازداد حزنا ًعلى حزنه لما سمع من الشيخ هذا الكلام.
و جد ّفي السير إلى أن وصل إلى دمشق ودخل من أحد أبوابها فرأى الناس يصلون على جنازة وصلى معهم فلما قضيت الصلاة


صاح صائح :

لا إله إلا الله ما أغفلك يا كثير عن هذا اليوم

فقال :

ما هذا اليوم يا سيدي

ففقال الرجل :

إن هذه عزة قد ماتت وهذه جنازتها

فخر مغشيا عليه فلما أفاق أنشأ يقول :
فما أعـــــــرف النهدى لادر دره


وأزجره للطير لاعز ناصـره

رأيت غرابا قد علا فوق

ينتف أعلى ريشه ويطـــايره

فقال غراب واغتراب من

وبانة بينٍ من حبيب تعاشره
ثم شهق شهقه فارقت روحه الدنيا ومات من ساعته ودفن مع عزة في يوم واحد تاركا ً لنا آلامه و شعره و قصة لما يجب أن يكونه الحب


و هنا الكثير من القصص التي تحكى عن مواقف لكثير ربما جنح بعضها للتراث الشعبي فنجد في كتاب الشعر والشعراء أن ابن قتيبة أورد القصة التالية :

خرج كثير إلى مصر وعزة بالمدينة ولم يعلم به أحد ، فبينما هو يسير في التيه بمكان يقال له فيفا خريم , إذا هو بعير قد أقبلت من ناحية المدينة , في أوائلها محامل , فيها نسوة , وكثيّر متلثم بعمامة له , وفي النسوة عزة , فلما نظرت إليه , عرفته و لم يعرفها , فقالت لقائد قطارها : إذا دنى منك الراكب , قف , فلما دنى كثير أوقف القائد الركب , فابتدرته عزة فقالت :

من الرجل ؟

قال :

من الناس

قالت :

أقسمت

قال :

كثير

قالت :

فأين تريد في هذه المفازة ؟

قال :

ذكرت عزة وأنا بمصر

فلم أصبر و خرجت نحوها على الحال التي ترين

قالت :

فلو أن عزة لقيتك

فأمرتك بالبكاء , أكنت تبكي ؟

قال :

نعم

فنزعت اللثام عن وجهها وقالت :

أنا عزة

فإن كنت صادقًا فافعل ما قلت .

فأفحم . فقالت للقائد :

قد ركبك , فقاده وبقي كثير مكانه لا يحير ولا ينطق حتى توارت ، فلما فقدها سالت دموعه و أنشأ يقول :

وقضين ما قضين ثم تركنني

أو القصة التي تقول بأنه كان يسير في المدينة فرأى مبرقعة تميس في مشيتها فاستوقفها و سألها عن اسمها فقالت له :

ألست كثّير عزة

فقال :

و الله لو كانت عزة أمة لي لوهبتك إياها

فنزعت الفتاة برقعها فإذا بها عزة

أو قصته التي تقول :

سأل كثير عزة عن أعجب خبر له مع عزة

فقال :

يا أمير المؤمنين حججت ذات سنة وحج زوج عزة معها ولم يعلم أحد بصاحبه ، فلما كنا ببعض الطريق أمرها زوجها بابتياع سمن تصلح به طعام لرفقته فجعلت تدور الخيام خيمة خيمة حتى دخلت إلي وهي لا تعلم إنها خيمتي وكنت أبري سهما ، فلما رأيتها جعلت أبري لحمي وانظر اليها حتى بريت ذراعي وأنا لا اعلم به والدم يجري ، لما علمت ذلك دخلت إلي فامسكت بيدي وجعلت تمسح الدم بثوبها ، وكان عندي نجئ سمن ( وعاء سمن) فحلفت لتأخذه فأخذته ، وجاء زوجها فلما رأي الدم سألها عن خبره فكاتمته حتى حلف عليها لتصدقنه فصدقته فضربها وحلف عليها لتشتمني في وجهة فوقفت علي وقالت لي وهي تبكي : يا ابن (…)أنشدت :

خليلى هذا ربع عزة فاعقلا

قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت

ومسا ترابا كان قد مس جلدها

وبيتا وظلا حيث باتت وظلت

ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما

ذنوبا إذا صليتما حيث صلت

وما كنت أدري قبل عزة ما البكا

ولا موجعات القلب حتى تولت

وقد حلفت جهدا بما نحرت له

قريش غداة " المأزمين " وصلت

أناديك ما حج الحجيج وكبرت

" بفيفا غزال " رفقة وأهلت

وما كبرت من فوق " ركبة " رفقة

ومن " ذي غزال " أشعرت واستهلت

وكانت لقطع الحبل بيني وبينها

كناذرة نذرا فأوفت وحلت

فقلت لها : يا عز كل مصيبة

إذا وطنت يوما لها النفس ذلت

ولم يلق إنسان من الحب ميعة

تعم ولا عمياء إلا تجلت

تمنيتها حتى إذا ما رأيتها

رأيت المنايا شرعا قد أظلت

كأني أنادي صخرة حين أعرضت

من الصم لو تمشي بها العصم زلت

صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة

فمن مل منها ذلك الوصل ملت

أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها

وحلت تلاعا لم تكن قبل حلت

فليت قلوصي عند عزة قيدت

بحبل ضعيف حز منها فضلت

وغودر في الحي المقيمين رحلها

وكان لها باغ سواي فبلت

وكنت كذي رجلين : رجل صحيحة

ورجل رمى فيها الزمان فشلت

وكنت كذات الظلع لما تحاملت

على ظلعها بعد العثار استقلت

أريد الثواء عندها وأظنها

إذا ما أطلنا عندها المكث ملت

فما أنصفت أما النساء فبُغِّضت

إلى َّوأما بالنوال فضنت

يكلفها الغيران شتمي وما بها

هواني ولكن للمليك استذلت

هنيئا مريئا -غير داء مخامر

لعزة من أعراضنا ما استحلت

فوالله ما قاربت إلا تباعدت

بصرم ولا أكثرت إلا أقلت

وكنا سلكنا في صعود من الهوى

فلما توافينا : ثبت وزلت

وكنا عقدة عقدة الوصل بيننا

فلما تواثقنا : شددت وحلت

فإن تكن العتبى فأهلا

وحقت لها العتبى لدينا وقلت

وإن تكن الأخرى فإن وراءنا

منادح لو سارت بها العيس كلت

خليلي ان الحاجبية طلحت

قلوصيكما وناقتي قد أكلت

فلا يبعدن وصل لعزة أصبحت

بعاقبة أسبابه قد تولت

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة

لدينا ولا مقلية إن ثقلت

ولكن أنيلي واذكري من مودة

لنا خلة كانت لديكم فطلت

فإني وإن صدت لمثن وصادق

عليها بما كانت إلينا أزلت

فلا يحسب الواشون أن

بعزة كانت غمرة فتجلت

فأصبحت قد أبللت من دنف

كما أدنفت هيماء ثم استلبت

فوالله ثم الله ما حل قبلها

ولا بعدها من خلة حيث حلت

وما مر من يوم على

وإن عظمت أيام أخرى وجلت

وأضحت بأعلى شاهق من

فلا القلب يسلاها ولا العين ملت

فيا عجبا للقلب كيف

وللنفس لما وطنت كيف ذلت

وإني وتهيامي بعزة بعدما

تخليت مما بيننا وتخلت

لكالمرتجي ظل الغمامة كلما

تبوأ منها للمقيل اضمحلت

كأني وإياها سحابة

رجاها فلما جاوزته استهلت

فإن سأل الواشون فيم

فقل نفس حر سليت فتسلت

أيا ً كانت صحة القصص و صحة حبه لعزة من عدمه يبقى لنا الشعر مثل :

رَمَتْني على عَمْدٍ بُثينَة بَعْدما تولّى شبابي وارجحنَّ شبابُها

بعينينِ نَجْلاوينِ لوْ رَقْرَقَتْهُمَا لنوءِ الثريّا لاستهلَّ سحابُها

ولكنّما تَرْمِينَ نفساً مَريضَة ً لعزَّة َ منها صفوُها ولُبابُها

أو

لقد زعمَتْ أنّي تغيَّرتُ بعدها ومَنْ ذا الذي يا عزَّ لا يتغيَّرُ

تغيَّر جسمي والخليقة ُ كالَّذي عَهِدْتِ ولم يُخْبَرْ بِسرِّكِ مُخبَرُ

أيادي سبا يا عَزَّ ما كنتُ بعدكُمْ فلمْ يحْلَ للعَيْنَيْنِ بعدَكِ مَنظرُ

أبعدَ ابن ليلى يأملُ الخُلدِ واحدٌ من النّاسِ أو يرجو الثَّراءَ مثمِّرُ

أو

أبائنة ٌ سُعدى ؟ نعمْ ستبينُ كما انبَتَّ مِنْ حَبْلِ القَرِينِ قرينُ

أإنْ زُمَّ أَجْمَالٌ وَفَارَقَ جِيرة ٌ وصاحَ غرابُ البينِ أنتَ حزينُ؟

كأَنَّكَ لم تَسْمَعْ ولم تَرَ قَبْلَها تَفَرُّقَ أُلاّفٍ لَهُنَّ حَنينُ

حَنِينٌ إلى أُلاَّفهِنَّ وقدْ بَدا لهُنَّ مِن الشَّكِّ الغَداة َ يَقينُ

وهاجَ الهوى أَظْعانُ عزَّة َ غُدوَة ً وقد جعلتْ أقرانُهُنَّ تبينُ

فَلَمّا استَقَلَّتْ عن مَنَاخٍ جِمَالُها وأَسْفَرْنَ بالأَحْمَالِ قُلْتُ سَفينُ

تأَطَّرْنَ في المِينَاءِ ثُمَّ تَرَكْنَهُ وقد لاحَ مِنْ أثْقَالهنَّ شُحونُ

كأنّي وقد نكِّبنَ بُرقة َ واسطٍ وخلَّفنَ أحواضَ النُّجيلِ طعينُ

فأتبعتُهُمْ عينيَّ حتّى تلاحمتْ عليها قنانٌ من خفيننَ جونُ

فَقَدْ حَالَ مِنْ حَزْمِ الحَمَاتينِ دونهم وأعرضَ منْ وادي البُليدِ شُجونُ

وَفَاتَتْكَ عِيرُ الحَيّ لمّا تَقَبَّلَتْ ظهورٌ بهمْ من ينبُعٍ وبطونُ

وقد حال من رَضْوى وَضَيْبر دُونَهُمْ شمارخُ للأروى بهنَّ حصونُ

على الكُمتِ أو أشباهها غيرَ أنَّها صُهابيّة ٌ حُمْرُ الدُّفوفِ وَجونُ

وأعرضَ ركبٌ من عباثرَ دونهمْ وَمِنْ حَدِّ رَضْوَى المكْفهرِّ جبينُ

فأخلفنَ ميعادي وخُنَّ أمانتي وَلَيْسَ مَنْ خَانَ الأمانَة َ دينُ

وأورثنه نأياً فأضحى كأنَّهُ مخالطُهُ يومَ السُّريرِ جنونُ كذبنَ

صفاءَ الوُدِّ يومَ شنوكة ٍ وأدرَكَني مِنْ عَهْدِهِنَّ وُهُونُ

وإنَّ خَليلاً يُحْدِثُ الصُّرم كلَّما نأيتَ وشطَّتْ دارُهُ لظنونُ

وطافَ خيالُ الحاجبيّة موهناً ومرٌّ وقرنٌ دونها ورنينُ

وعاذلة ٍ ترجو لياني نجهتُها بأنْ ليسَ عندي للعواذلِ لينُ

تَلُومُ امرءاً في عنفوانِ شبابِهِ ولِلتَّرْكِ أشْياعَ الصَّبَابَة ِ حينُ

وما شعرتْ أنَّ الصِّبا إذْ تلومني على عهدِ عادٍ للشَّبابِ خدينُ

وأنّي ولوْ داما لأعلمُ أنَّني لحفرة ِ موتٍ مَرَّة ً لدفينُ

وأنّيَ لم أعلمْ ولم أجدِ الصِّبا يُلائِمُهُ إلا الشَّبَابَ قرينُ

وأنَّ بياضَ الرَّأسِ يُعقِبُ بالنُّهى ولكنَّ أطلالَ الشَّبابِ تَزينُ

لَعَمْرِي لقد شَقَّتْ عليَّ مريرة ٌ ودارٌ أحلَّتكِ البُويبَ شطُونُ

أو

أمـنقطع يـاعز مـاكان بـيننا

وشـاجرني ياعز فيك الشواجر
إذا قـيل هـذا بيت عزةقادني


إلـيه الهوى وأستعجلتني البوادر

أصد وبي مثل جنون لكي يرى

رُواة الـخنا أنـي لبيتك هاجر

ألا لـيت حظي منك يا عز أنني

إذا بنتِ باع الصبرلي عنك تاجر

أو

خَلِيلَيَّ عُوجَا مِنْكُما سَاعة ً مَعِي عَلَى الرَّبْعِ نَقْضِ حَاجَة ً وَنُوَدِّعِ

وَلاَ تَعْجَلاَني أَنْ أُلِمَّ بدِمْنَة ٍ لعزَّة َ لاحتْ لي ببيداءَ بلقعِ

وقولا لقلبٍ قدْ سلا راجعِ الهوى وَلِلْعَيْنِ أَذْرِي مِنْ دُموعِكِ أَوْ دَعِي

فلا عيشَ إلاّ مثلُ عيشٍ مضى لنا مصيفاً أقمنا فيهِ من بعدِ مربعِ

تفرَّقَ أُلاَّفُ الحَجِيجِ على مِنًى وشتّتَهُمْ شَحْطُ النَّوَى مَشْتيَ أَرْبَعِ

فلمْ أرَ داراً مثلها دارَ غبطة ٍ وملقى ً إذا التفَّ الحجيجُ بمجمعِ

أقَلَّ مُقِيماً رَاضِياً بِمَكَانِهِ وأَكْثَرَ جاراً ظَاعِناً لَمْ يُوَدَّعِ

فأَصْبَحَ لا تَلْقَى خِباءً عَهِدْتَهُ بمضربِهِ أوتادُهُ لم تُنزَّعِ

فشاقوكَ لمّا وجّهوا كلَّ وجهة ٍ سراعاً وخلَّوا عنْ منازلَ بلقعِ

فريقانِ: منهمْ سالكٌ بطنَ نخلة ٍ وآخرُ منهمْ جازعٌ ظهر تضرُعِ

كأنَّ حُمُولَ الحيِّ حِينَ تَحَمَّلُوا صَرِيمة ُ نخلٍ أو صَرِيمة ُ إيدَعِ

فإنّك عمري هل رأيتَ ظعائناً غَدَونَ افْتِرَاقاً بالخليطِ المودَّعِ

ركبنَ اتّضاعاً فوق كلِّ عُذافرٍ من العيسِ نضّاحِ المعدَّينِ مربعِ

تُوَاهِقُ واحْتَثَّ الحُدَاة ُ بِطَاءَهَا على لاحبٍ يعلو الصياهبَ مهيَعِ

جَعَلْنَ أَرَاخيَّ البُحيرِ مَكَانهُ إلى كُلِّ قَرٍّ مُسْتطِيلٍ مُقَنَّعِ

وفيهنَّ أشباهُ المها رعتِ الملا نَوَاعِمُ بِيضٌ في الهوى غيرُ خُرَّعِ

رَمَتْكَ ابنة ُ الضَّمريِّ عزَّة ُ بعْدما أمَتَّ الصّبى مِمَّا تَرِيشُ بأقطعِ

تغاطشُ شكوانا إليها ولا تعي مع البخلِ أحناءَ الحديثِ المُرجَّعِ
لك الله يا روح الكثير الهائمة

و لنا الشعر

04‏/04‏/2008

عن يشبهني تمام الشبه

من فترة و أنا أمارس حالة من الغياب اللا مبرر
ربما احتياج لحالة الأوف لاين
و لكن أطمئن من يهتم - إذا كان هناك من يهتم - أني ما زلت قادرا على التنفس
هي إجازة سلبية من الحياة و ربما أعود منها
بالمصادفة و أنا أبحث في إيميلي المكتظ عن شئ ما وقع تحت يدي إيميل قديم من الشاعر العزيز محمد سالم رفيق رحلة النشر عن طريق ورقة و قلم و الفائز بديوانه العامي " هنجراني " بفتحه اكتشفت أنه أرسل فيه رأيه تجاه ديواني " يشبهني تمام الشبه " فذكرني هذا بوعد أخذناه بتبادل الآراء
أود أن أنقله كما جاء
*****
1- نافذة لا تطل على البحر

أبـِضدها تتميز الأشياءُ ؟؟!
إن كان هذا صحيحًا ، فالنافذة –لابد- تطل على كيان آخر غير البحر ..
ربما يود الشاعر أن يصدم متلقيه منذ البداية ... أنت اعتدت أن يكون معيار جمال النافذة الواقعية هو إطلالها على بحر ٍ ، فسقية ٍ ، حديقة ٍ ، إو إلى آخر هذه المسرات .. لن تجد شيئًا من هذا في نافذتي .. ربما تتطلع من خلالها إلى نفسي أنا .. إلى أناي التي ربما لم تهمك قبل الآن في شيء ..

السقوط للأعلى : تصدير القصيدة بافتراض المستحيل ، يجعل من التحدي أمرًا حتميًا .. فهذا المخاطب الذي جرده الشاعر من ذاته – الساقط لأعلى – يتحدى باتجاه سقوطه قوانين الفيزياء (لعبًا على الدلالة الأولى الواقعية لجملة التصدير) و حدود السجن (الذي لابد يقيد حركة شاعرنا لأعلى .. ربما يكون سجنًا دون إدراك الشاعر لما يود إدراكه أو ربما هو حجابه عن الحقيقة ، فهذه من الدلالات الثواني) ، ثم إنه يتحدى بسقوطه ذاته (بغض النظر عن اتجاهه) دعاء أبيه كذلك ...
ثم إنه خلال فعل السقوط الحر هذا (أكبر دليل ٍ على حريته تحديه لكل هذه المحاذير) ، يتمكن من صوغ الموجودات و الأحداث من حوله حسب رغباته هو ، فيحذف من تاريخه ما يشاء أن يحذفه ، و يشاء أن يعاند نفسه فيعيش هزيمته مرة ً أخرى (و يعيد الخـُـفَّ بأمر ِ حُنين) إمعانًا في اقتناص فرصة التحرر .. و يحول أحزانَه إلى شيءٍ هزليٍّ مضحكٍ يستطيع أن يوزعه على المحيطين به و يلون به بيض شم النسيم !

ثم إن الشاعر(يعلو) فوق حدث السقوط ذاته – بينما يواصل السقوط – ليتشكل شخصًا أثيريًا يسكن عوالم لغوية ً مفارقة ً نتبينها في (ذاكرة الضوء ، و آلاء الماء ، و أندلس الأين) ... هذا الشخص الجديد/القديم لا يلبث أن ينساق إلى جدلٍ حتميٍّ مع ذاته (الذات الشاعرة) ليذكرها بكل الماضي الذي حاولت الذات أن تنساه في رحلة سقوطها لأعلى ... (لون المقعد / الضرب/ الفرح/الحزن إلخ) ..
نتبين في استرسال التذكر أن هذا الشخص الجديد يذكر تفاصيل موغلة ً في الدقة ..
الشاعر هنا – من خلال تداع ٍ لغويٍّ شكلانيٍّ رائع ٍ حقًا – يشير من طرفٍ خفيٍّ إلى تأذيه من فعل التذكر الحتمي هذا .. فالتفاصيل كما يقول :
" أصغر من أن تذكر .. أصغرُ من أن .. أصغرُ من .. أصغرُ ..... أصغر " ..

هنا ، يصل الـ(ديالكتيك) الثلاثي إلى غايته المحتومة .. كان إنكارٌ في البداية ، ثم غولِبَ من خلال الشخص ِ المفرق المتعالي بإثبات ٍ لكل ما حاولت الذات الشاعرة (أو فلنقل تجليها الأول) أن تنكره ، ثم امتزجا .. أو كما يقول : " تمتزجان ..." ..
ليس هذا فحسب ، و إنما الامتزاجُ يتم مع التفاصيل ذاتها التي حاول الوعي إنكارَها ابتداءا .. : " تفترقان ، يعودُ إليه ، تعودُ لهن " ... الأنثى في تعددها هنا كانت قوية َ الإشارة إلى حضور الأشياء و الأحداث في اللحظة الأخيرة للجدل ، فكأن هذه التفاصيل نساءٌ حقيقيات ٌ يمتزج بهن وعي الشاعر في هذه المرحلة الأخيرة ، قبل أن يبدأ مرحلة ً صراعية ً جديدة ً بأن يفترض تفادي أخطاء الماضي (أنك فاصلة ٌ حيرَى بين السوف ِ و بينَ اللن) ...
لكننا نكتشف عدمية َ هذا الجدل الطويل في هذه اللحظة بالذات ، حيث ُ الفاصلة ذاتها حيرَى لا تعرف إن كانت تقرر المكث أم الرحيل .. هل تتكرر أخطاءُ الماضي أم تتوقف ؟؟!

يتكثف لدينا هذا الإحساسُ بعدمية الجدل في المقطع الأخير من القصيدة ، حيث يتناصُّ الشاعر من قصة (يوسف) عليه السلام ... لماذا يوسف ؟؟
لأن قصته رمزٌ لا يُجحَدُ لكلاسيكية السرد .. الجدلُ فيها يصلُ إلى تصالح ٍ مثمر .. أما هنا ، فنقضُ عناصر قصة يوسف : " مفترضًا أن النسوةَ لم تكبره – أن العيرَ ستطلبك بديلا ً – تملكُ ريحًا تبصرُ أعمى " ، يكثف – كما أسلفنا الإشارة- الإحساس بعدمية كل هذا الجدل ..

القصيدةُ لها جمالـُـها الخاص .. التجربة ُ فـُـصامية ٌ مريرةٌ ، يجرد الشاعر فيها من ذاته ذاتًا مخاطبة ً ، ثم يستكشف من خلالها صراعَه مع محاذير عالمه ، و يستكشف قوانين هذا الصراع ابتداءًا بالإنكار ، ثم الرضوخ (الإثبات الجبريّ) ثم الامتزاج .. و أخيرًا يستكشفُ عدميةَ هذا الصراع حيث يتساءلُ في مرارةٍ قاسيةٍ في النهاية عما يتبقى من صدق اللحظة في عين من يعيشها :
" ماذا يتبقى من صدق اللحظة في العين ؟ " ..
لكنني أتساءلُ عن موقع المرآة المقعرة كعنوان ٍ لهذا الجزء من الديوان .. هل هي الواقع الذي (يُصَغــِّــرُ) تفاصيله في عين من يعيشه ، فيستبدل الشاعر به مرآته الخاصة (المحدَّبَة) التي (تكبرُ) له تلك التفاصيل ؟؟ أفيكونُ غيَّبَ هذه المرآة عمدا ؟؟!
..


2- محاولة أخيرة

يبدأ (مصطفى) من حيث انتهى (درويش) ..!
نعم .. (من سيدفن موتانا) .. ختام قصيدة درويش .. إنها كانت حيرةَ منتم ٍ إلى قضية أمته .. القصيدة كما نعلمُها كانت محاولة ً حائرة ً لإيجاد عروبة ٍ تنفجرُ في وجه الغاصب الذي أتاها من خارجها ... كانت صرخة ً (دَرويشية ً) في وجه الاستكانة (سقطت ذراعُكَ فالتقطها) .. كان يحاولُ إحياءَ الموتى ..
وهكذا انتهى (درويش) ،
ليبدأ من هنا (مصطفى) ..
(مصطفى) يمثل في لحظته التاريخية الراهنة لحظة التسليم بسقوط القضية ..
هكذا يفتتح قصيدته :
" اختر صليبًا و احمل الآلامَ مغتبطًا و سِرْ " .. مات الجمع في لحظة ٍ مفقودة ٍ بين (درويش) و (مصطفى) ، ليبدأ موت الفرد عند (مصطفى) ..
الحرية التي بشَّرَ بها (درويشٌ) في قصيدته (فأنت الآنَ حرٌّ و حرٌ و حرُّ) ، لا يرى (مصطفى) لها بصيصَ نور .. لم يكن هناك بُدٌّ من إعلان حرية ٍ بديلة ٍ ، ينطلق فيها الفرد العربي من ذاته، و لذاته ، و هكذا ينقض شاعرُنا غَزلَ (درويش) في خبثٍ إذ يقول :
" كم أنت مشدوهٌ بحلمكَ ، فابتكر حلمًا تكابدُ فرحَه المرسومَ (أنت الآن حر) " ..
ثم إنه نـُ،كِسَ على رأس شعرِهِ ، فقال :
" أو هكذا سيظن كل الناظريك " .. هل هي حريةٌ حقيقيةٌ تلك التي أبشـِّر بها الإنسان العربي ، بينما أنصحه بالتخلي عن حلمه القديم ؟؟
ثم إن ابتكارَ العلاقة النحوية الجديدة في السطر الأخير ، يُربك المتلقي و يبهرُهُ في آنٍ .. كان المنطق السينطقطيقي (النحوي) Syntactic التقليديُّ يقتضي أن يقول : " كل الناظرين " ، لكنه آثر أن يُعَرِّفَ (ناظرين) – المُعرَّفَةَ بالفعل بالألف واللام- بالإضافة إلى ضمير المُخاطَب (الكاف) .. و كأن لا ناظرين هناك إلا إليك أيها الفرد العربي المنسلخ من قضيته و حُلمه (فقد علــَّـمَنا عبدُ القاهر الجُرجانيُّ في دلائل إعجازه أن في الإضافةِ تخصيصًا لا مناصَ منه) .. أنت وحدَكَ هنا ، تكابد قضيتك الوهميةَ الجديدةَ على رؤوس الأشهاد .. فانظر ماذا تَرَى !!
ما يتلو ذلك في القصيدة التي نحن بصددها ، إن هو إلا تجلياتٌ لهذه الفكرة التي بسطها الشاعر في الفقرة الأولى .. أنت في هذه الفردانية الواهمة لا تملك شهيقَكَ الذي (ربما) كنت تملكه وأنت منتم ٍ إلى الجمع .. ليس أمامَكَ لتواصل وهمَك إلا أن (تسرقَ شهيقًا) ، و تفند أخطاءَ أمتك لتتقنها أنت على فرديتك .. وهنا المفارقة الساخرة .. أنت توحدتَ منذ البداية لتكسب حرية ً جديدة ً ، لكنك لا تملك إلا أن تكرر الأخطاءَ ذاتَها ، و كأن تاريخَ انتمائكَ لعنتـُـك ..
هي المبالغة في الفردانية ، تلك التي تدعوك إلى أن تعزل النصرَ عن مشاركتك في صنعه ، وهكذا فـ " اللهُ غالبْ .. بك أو بدونِكَ لا مفرْ " .. ثم إنه كما يقول الشاعر :
" للبيتِ مَن يحميهِ ، أنتَ الآنَ هالِكْ " ... يستفزك الرجلُ لتفكرَ في الأمر جليًّا .. هل كان اختيارُك الفردانيةَ من البداية هو الحل ؟؟ إنك إذا تركت البيتَ لمن يحميه عنك ، فلت تنجو .. إنك هالك !!
و أخيرًا يتم تبادلٌ تغريبيٌّ رائعٌ للأدوار .. أنتَ تحملُ صليبَك .. أنتَ إنسانٌ ، و صليبُكَ شيءٌ ينكسر .. لكنك تفاجَاُ بنفسك تنكسرُ مكانَ صليبك .. إلى هذا الحَدِّ أصبحت هَــشــَّــا .

3- بروفيل أمامي للوجع :

في تجربة الحب ، تمتزج مستوياتُ الوجودِ التي حدَّثَنا عنها (كيركغَرد) .. فالجماليُ هنا حيثُ الحبيبةُ تجسدٌ للجمال ، و الأخلاقيُّ المجتمعيُّ ، فالعلاقة ذاتُها نوعٌ من أداء الدين المجتمَعيِّ بما هي تواصلٌ مع آخر ، وبما هي كذلك وعدٌ ضِمنيٌّ بإثراء المجتمع بآخرين (من خلال العلاقة الجسدية بالطبع) ، و الدينيُّ هناك أيضًا ، حيثُ يتسامى العاشقُ المصدودُ بعواطفه إلى درجة الوجدِ الإلهي ، و العشق الصوفي لحبيبته ... لهذا السبب ، تلمسنا هذه القصيدة ُ بالتحديد كأول قصيدةٍ في الديوان تعالج موضوعَ الحبِّ المُحبَط .. هذا له علاقةٌ بمضمونها ، بغض النظر عن الشكل .. ففي تجربة الحب ، تتوحدُ كياناتُنا المتشظية ، و تتداخل مستوياتُ وجودِنا ..

هذه مقدمة ٌ ربما لم أكن بحاجة ٍ إلى كتابتها !
العنوانُ يذكرني بلوحات (بيكاسُّو) في مرحلته التكعيبية .. تلك المرأة التي نرى ركنَ عينَها اليُمنى في بروفيلٍ واضحٍ ، و نرى معه عينَها اليسرى كاملة ً في صورة ٍ أمامية .. التكعيبُ تشظية ... تكسيرٌ في بنيةِ الصورة ... وهذا ما يخلقُ الجَدَلَ بين العنوان و القصيدة .. العنوان : حيثُ التشظية .. و القصيدة : حيثُ التوحد .. رُبـَّما استقرَّ في (لاوعي) الشاعر أن يتمرَّد على التجربة وعلى القصيدة من قبل أن يكتبَها ..
الحبيبةُ فرحة ٌ ، طفلة ً تبدو ، كعادتها في شِعر الأسلاف ... و العاشقُ مرتابٌ مدركٌ متعقلٌ للحظته .. كعادته كذلك ! (الريبةُ دون سببٍ مبالغة ٌ في التعقل إذا شئنا الدقة) ..
الحبيبةُ لن تُصغِيَ للشاعر إذا ما أخيرها عن ريبته ، أو لن تفهمه .. لم يُصرِّح لنا بهذا .. لكنـَّـه ترك فضاءًا دلاليًا بين وصفه لحاله و حال حبيبته ، و بين عزمه على الكتابة و الإفضاء إلى الوَرَق ، و كان علينا أن نملأه بهذا الاستنتاج ...
هذا الإفضاءُ لا يستطيعُ ان يقتلَ إحساسَه الوِحدة ، كما يقول لنا : " خفاش الوقت يفتش حولك .. إلى : أم أن الظل استشعر ضعفًا ملءَ الصوت فغاب ؟ " ..
الشاعر يتوسل بسيلٍ من الاستعارات المكنية في الفقرة التالية ، فهو في ركن الغرفة منصهرٌ سائلٌ مسكوبٌ هنالك ، و مصباحُهُ رجلٌ في غرفته يضنُّ عليه بالدفء فيضطر إلى أن يستجديَه ، و هاتفه مثله مثل مصباحه يضن عليه بالرنين ، فيسأله إياه ، و حين يحاصره الإحباطُ من كل هذه الأركان ، يلوذ بداخله سجينًا ، ثم يشكو هذا السجن الاضطراري ..
ثم يرجع إلى نفسه ، فيعاتبها على تعلقها بحبيبة ٍ غير مخلصةٍ في حبها .. ثم يبهرنا بصورة ٍ في غاية الروعة 0 أو هكذا تراءَت لي .. هذه الغانية (في متابعةٍ لخاجس الاستعارة المكنية! ) كفراشةٍ جائعةٍ تأتيه فتمتصُّ رحيقه ، فإذا شبعت تراءت له بذرةً مواتًا ، فلا يملك إلا أن يعاملها بمزيد حنانٍ ، و خشوعٍ (لأنه عاشقٌ في النهاية) ، فيزرعها في كف الرجل الآخر ...
ثورةٌ مُضمرةٌ على ذلك الضعف الذكوري أمامَ (الضعف الأنثوي) ..
" سفـَّـهتَ هواكَ فلا تعتِبْ .. لا يُجدي بالأيامِ عتاب " ..
الفقرة الأخيرةُ ... يُهيبُ الشاعرُ بذاته المضطربة المنقسمة على ذاتها أن تستجمع فواها بالشِّعر ، و تتداوَى به (فتناوَل شعرك قبلَ الأكل) ...
ربما تثجدي نفعًا تلك المقدمة التي صدرنا بها حديثَنا عن القصيدة الآن !!
يحيلُنا الشاعر إلى المستوى الديني الصوفي من وجودنا إذ يتناصُّ مع القرآن في (اخلع نعليكَ لعل الواديَ لا يغلقُ في وجهكَ بابْ) .. إنه الملجأ الأخير ... فالديني الذي تداخل من قبلُ مع الجمالي و الأخلاقي ، لابد له أن يتعالى عليهما الآن ، و يضبطَ التجربة برمتها ..
فهو الملجأ الأخير ...

4 - أحد

المزيدُ من تكريسِ الحزن ، و لَوك الوِحدة ...!
يحدث تبادلٌ للأدوار بين الحانة و الرجل ... وجهه كوبٌ من خمر الأحزان ، وواجهة الحانة تشربه ... إلى هذا الحد التبس أمره بأمر الحانة .. لا تدري أيهما يشرب الآخر ... حزنه رفيقه الوحيد ..
طريقة كتابة القصيدة تفترض صوتًا مهيمنًا ، يفاجئنا بالتدخل بين الفينةِ و الفينة .. ربما هو ركنٌ من الذات الشاعرة ، يشاهد أفعالها و يعلق عليها عندما يكون ذلك مناسبًا .. فتارةً يتجاوب مع اجترار الحزن ، ليعلن عن أزليته ، و تارة ً يلفت انتباهنا إلى خلفيةٍ من صوت (فيروز) في أغنيةٍ حزينة ، و ثالثة ً يستذكر إعجابه بقامة المحبوبة ...
بعدَ لأيٍ ، تبدو هنا اللغة في سطر ٍ جديد ٍ ، حيث يقول الشاعر :
" موحودٌ أنت ببابِ الحانة " .. اسمُ المفعول هنا ذو دلالةٍ نابضة .. فقد كرَّسَ إيحاءًَا قويًا بأن وِحدةَ الشاعر بفعل فاعل .. ليست نابعةً من رغبته .. و لأن اللفظة نادرة الاستعمال كذلك ، فقد زادت قوة الاغتراب الموحَى به هنا ...
ثم إن تداعيَ الذكرى جميلٌ في (والشارعُ أنبوبٌ أسودْ .. يمتدُّ كقامتها في الليل) .. هي هناك في خلفية وعيه .. لا يستطيعُ منها فكاكا ..
لا محيص !
إنه قدره أن يعلن استسلامه التام لذكراها (فلتعلن صعفك .. هزمتك البنتُ اللامعقولة) .. ثم إنها بنتٌ غيرُ قابلةٍ للتكرار كما تفصح الأسطر التالية .. يستعينُ بإعجاز المسيح و يتناصُّ مع مجده ، لكن دون فائدةٍ ، فالأخرى الـ(معقولة) لا تصبح طيرًا حين ينفخ فيها ..
تناصٌّ آخر قرآنيٌّ في قوله : " لا عاصمَ من عينيها اليوم " .. إنها إلهية الحضور تمامًا كما يبدو .. ربما لأنها غيرُ معقولة ، فإننا – بالعودة إلى كيركغَرد- نقرأ أن الإيمانَ الدينيَّ يجب ألا يُؤَسسَ على المنطق العقلي (والأدقُّ أن كيركغَرد يرفض توسيطَ أي شيءٍ بين العابد و المعبود ، ابتداءًا برجال الكنيسة الكثوليكية و انتهاءًا بجدَل (هيغل) / منطقِهِ ، لكن فلنعد إلى صلب أمر القصيدة) .. و لأن البنتَ (لامعقولة) ، فإن حضورَها : ذلك الإلهيّ ...
الركنُ المتسلط- المشاهد في آنٍ – من وعي الشاعر ، يتدخل في الوقت المناسب ليعلن استمرارَ تعلقه بعينيها حين يجيءُ ذكرهما (اللهم احفظ عينيها) .. ثم يتدخل من جديدٍ في (من زمنٍ وهي تشيرُ إليك بلا كلمات) .. حزينٌ لحاله .. حزنٌ على حزنٍ على حزن ..
يغترب الشاعر قرب النهاية عن واقعه ، فيتحول كل ما رأيناهُ إلى مسرح (ربما ليشعرنا بمأساوية الحال و عبثيته في ذات الآن) ، و يسعفه معجم مفردات المسرح (الديكور – المخرج – إظلام يمينك – تسقط بقعة ضوءٍ حولك) ليكثف هذه اللحظة الشعرية ... ثم هو يتململُ و يتأفف مما فعله بفعل المسرحة هذا .. فعندما يتناص مع نفسه في قصائد سابقةٍ له و يخرج السكين و يغرسها في قلبه ، الكل يضحك في المسرح ... حتى فعل التغريب المسرحي الذي التجأ إليه – ربما لينقذ نفسه من حزنها – زاده حزنًا ، فالناسُ لا يتجاوبون معه ...

5 - خدش مؤقت شبه دائم

العنوان - قبل قراءة التجربة - يؤكد اتجاهًا عامًا في عنونة قصائد الديوان .. توجدُ حالةٌ من الارتياب ، تلازم الشاعر منذ البداية ... فالديوان عن شخصٍ يشبهه تمامَ الشبه (لماذا لا يكون هو هو ؟؟!) ، والنافذة (آه .. إنها لا تطل على البحر !!) ، و بروفيل الوجع (يبدو أنه أمامي) ... الرؤى كلها ملتبسة غير واضحة ...
تغريبٌ من نوعٍ آخر يطالعنا في بداية القصيدة ..
فالتناصُّ مع الأخطل الصغير في شطرٍ من قصيدته ، كسر رتابة الموسيقى في البداية ... عندما نكمل القصيدة إلى نهايتها ، نكتشفُ أن هذا الكسر لم نكن لنقبله في منتصف القصيدة مثلاً حيث تتحدد (تيمة) القصيدة حول الحياد الممل/الممتع (حسبما يدعي الشاعر ليدفع عنه السأم) ، وهي الـ(تيمة) التي يؤكدها تكرر تفعيلة البحر الكامل (متفاعلن) إلى النهاية دون وقفاتٍ تذكر (فالقصيدة أقرب إلى القصيدة المدورة التي تتوقف موسيقاها فقط مع النهاية) ... ولذلك ، فهذا التناص المبدئي يغرينا بافتضاض بكارة القصيدة إلى نهايتها لنطـَّـلع على تجليات هذا الحياد العفوي ..
ثم إن الشاعر يبدو مستريحًا لوضعه الحيادي الجديد ، فينتشي و تستبيه بساطة الأشياء وهو خلوٌ من المشاعر ...
لكنه يرتد إلى لب مشكلته عندما يفرغ من استجلاء العالم الجديد ، فـيعود للتفكير :
" و أنت مستلقٍ تفكر : هل ستقنع بانفرادك؟ " ..
انتظار الأنثى ، بعد الخروج من حبائل الأنثى !!
إنها مشكلةٌ ذكوريةٌ أبدية !!!

6 – قيود

ينتهي قسمٌ من الديوان و يبدأ آخر ..
يبدو أننا كنا نتعرف في البداية على الشخص الذي يشبه (مصطفى) تمام الشبه ، لنستمع الآن إلى (أحاديث جانبيةٍ عنه) .. الحديث في (قيود) يغير اتجاهه من المُخاطَب إلى الغائب ...
مشهد الافتتاح .. تراجيديةٌ عتيدةٌ تحكمُ مزاجَ شاعرنا !
إنه يستلهم رواية العظيم (دوستويفسكي) (الإخوة كرامازوف) ليشيرَ إلى مأساة الأخِ المُغَرَّر .. أول حديثٍ جانبيٍّ عنه (شبيه شاعرنا) ، يبرز من ثنايا المأساة الدوستويفسكية ...
الليلُ الكونيُّ العتيد كالمأساة يخيم على المشهد ، فلا تستبين الحقائق .. الأخ المُغَرَّر المصلوب لا يدري أهو على حقٍ أم باطل (أمسيحٌ أم شُبِّهتُ مَسيح؟) ..
المشهد التالي (الثالث) : نرى تغرير الإخوة باغتصاب أختهم ... الصورة الرائعة في (أي سفاحٍ لو يغتصب الجُدبُ الطلا ّ ؟) ..
عَودٌ على بدءٍ في ختام القصيدة .. نرى الإخوة من جديدٍ متحلقين حول أبيهم /ضحيتهم ... (تمتد من اللاصدر نصالُ الفُرقة) ... لم يعد هناك مكانٌ للصدر بكل دفئه .. فالقتَلة يستعدون لتكرار مجدهم ...

7 – هو

نقترب أكثر من شبيه شاعرنا هنا .. كان يجب أن يحدث التنزلُ من الأسطورة الكرامازوفية في القصيدة السابقة إلى الذات المفردة المتعينة في وعي الشاعر هنا ..
جملة الختام : "فوداعًا يا مَن كنتُكَ يوم " .. تحمل هذا القدر من المفاجأة .. يرى نفسه فيعرفها تمام المعرفة ، و يودعها في نهاية اللقاء ، في محاولةٍ لابتداء حياةٍ جديدة ..

8 – كأنه أنا

لا أستطيعُ أن أخفيَ إعجابي الشديد بهذه القصيدة تحديدا .. إنها تنضحُ حقًا بماء الشعر .. يلجمني الإعجابُ بالشيء عن تتبع منابع الجمالِ فيه كثيرا !!
بداية ً ،
الشاعر يتحدث بلسان نفسه الآنَ في مباشرة .. ظهر ذلك أولاً على لسان الأخ المغرَّر في كارامازوف (أقصد : قيود!) ، لكنه الآن أقوى ..
أيضًا هو أقوى في مَضائه الآن ! هو يواجه حبيبته التي باعته بجرأةٍ لم تتجلَّ من قبل ، و يتحداها .. أولُ جملةٍ : " بخسوفِ عينيكِ " .. يبدو أننا بإزاءِ عصرٍ شعريٍّ جديدٍ فيما تبقى من الديوان (أقصد بالنسبة لزمنية الديوان ذاته) .. سيجابه ماضيه بأخرياتٍ قد يتفقن مع الأولى و قد يختلفن معها في طباعهن ..
ثم إنه يصر في النهاية على رسم نفسه من جديد .. هذا و إلا فليكن الموت ..
عذرًا ، فالقصيدة أجملُ من أن تقبل تشريحي المبتدئ ...!

9 – سقوطٌ سريعٌ مؤلم

نرى هنا كيف تؤكد الموجودات للشاعر وِحدتَه .. وهو صانع وِحدته بذاته ، لَم تُفرَض عليه من خارجٍ كما يبدو .. هو الذي يصر على الغروب طريقةً لممارسة وجوده (أو لا وجوده بالأحرى) ، فيلقن الشمس الغروب ..
الشاعر فاجأنا جميعًا و مارس موته بالفعل .. لم تلق الكواكب بالاً لما يحدث و تابعت سيرورتها وسط الحكاية ، لكننا ندرك المصيرَ من سؤال الصغير و جوابها إياه في النهاية .. هو الذي اختار أن ينتهي ..
لقد كان الصقوطُ أسرعَ مما توقعت بالفعل !

10 – دون كي شوت

ينزواطح طواحينَ اليوميِّ هنا .. لا يفتعلُ أوهامًا ولا يخلقُ إفكا .. فقط يجابه ما يحيط به من حجرٍ و بشرٍ ، و كل ما حوله يطلب رحيله .. يطلب أن يتوقف عن الوجود ..
ربما توقف بالفعل (كما يشي بذلك التقاءُ عينيه بخبر موته في الجريدة) !!
وإذا كان هذا هو الحق ، فهو إذًا يناطح بقايا وعيه التي تهيء له أنه مازالَ حيّا ..
هذا الوهي الذي صور له قرب النهاية امرأةً من وهمٍ تحاول أن تاخد مكانه في الصف ...
هل ينجح في انتشال ذاته من وحل الإفناء اليومي الذي تمارسه ضده الحياة ؟؟
هو معلقٌ في نهاية الأمر ... بعض الشواهد تقول : مازالَ موجودا ..
و بعضها يقول : بل توقف عن ممارسة الوجود ..

11 – مصباحٌ كبيرٌ يدوسُ ظِلـَّكَ بِغِلٍّ واضح :

يعود الشاعر لصيغة المخاطَب .. يكابِدُ ندمه على ما جَرَى .. يكابدُ نرجسيةَ الشعراء و إحساسَهم بالإثم ، و يدحضُ مقولاته حين يقول : " و يردُّ قوسَ البابِ صوتُكَ دونما أدنى تناصٍ و النَدَمْ " .. و ظله الذي يلازمه هنا أقربُ ما يكونُ لنصفه الذي يريدٌ تأسيسَ شرعيةٍ لذاته المُضيَّعة ... بينما المصباحُ هو الواقعُ الذي يحياهُ ، و الذي يعتبرُ الشعرَ بضاعةً خاسرةً تستحق من صاحبها الندم ، و الآباء الذين يرفضون اختلافَ الولد (الجالساتُ على المصاطبِ يقتسمن اللمزَ يمصُصنَ الشفاهْ) ... ثم إن ذلك المصباحَ ذاتَهُ لا يلبث يظهرُ لنا كسترٍ دون الولد و الضياع المحقق .. ربما هي جدلية الوهم و الواقع في وعي الشاعر ...
نلمحُ خطأً لغويًا في الفقرة الثالثة من القصيدة حين يضطر الشاعر لنصب الفعل المضارع (تدَّعي) حيث لا ناصبَ هناك !!
في نهاية الفقرة الرابعة ، هناك الاستنتاجُ الأخيرُ في القصيدة (الآن تدركُ ان وحدَكَ ...إلخ) .. تلك النبرةُ الساخرةُ من حالَي المتوحد الغريب : حاله وهو خالٍ إلى نفسه ، و حاله وهو غريبٌ وسط مَن حاولَ أن ينفضَّ إليهم ..
الفقرة الأخيرة تحملُ كلَّ وَجَع القصيدة .. فهذه العدمية قوية اللهجة تستثيرُ سؤالاً أخيرًا في نفس الشاعر عما إذا كانت عدميةً حقةً أم أن هناكَ جدوَى ما قد تكون غائبةً عن تفكيره ...

12 – أحدُهُم لن يضحكَ اليوم :

ربما هو انعكاسٌ للشاعر على الموجودات ... هو مَن لن يضحك اليوم ...!

13 – كموت :

توجد سقطةٌ عَرُوضيةٌ في الصفحة الثامنة و التسعين ، حيث تنكسر تفعيلة (الكامل)
.. و سقطةٌ أخرى تنتمي لنفس المنطق في نهاية الصفحة الثالثة بعد المائة ..
ثم سقطةٌ عَرُوضيةٌ في نهاية الصفحة الثامنة بعد المائة .. ثم سقطةٌ رابعةٌ في الصفحة العاشرة بعد المائة ، تحديدًا في (حين تنعتُهُ حبيبي ....) حيث يبتدئ السطرَ بتفعيلة الرمَل كما يستسيغها الحداثيون (فاعِلاتُنَ) ... ثم يرتد إلى تفعيلة الوافر(مفاعلتن) في الصفحة الحادية عشرة بعد المائة .. لا أدري إن كان هناك منطقٌ لهذا التذبذب العَروضي أم لا ..

14 – لم يَكُن :
فيها كذلك بعض السقطات العروضية .. بسيط مشتبك لكامل ..

15 – تطهر :
رجز مشتبك بكامل في البداية ، ثم كامل .. تشتبك تفاصيل قصائد الديوان هنا ..
*****
العزيز محمد سالم صدقني غيرت لفتتك الكريمة الكثير في حالتي المزاجية
دمت لي بخير

08‏/01‏/2008

شارلو أيها العبقري

كنت من الأجيال المحظوظة التي حفلت بعرض التليفزيون المصري لأفلام لشارلي شابلن و لوريل و هاردي و توم و جيري في نسخها القديمة و كذلك العديد من الأفلام الكرتونية لوالت ديزني و التي أعجب لإختفائها و ظهور موجة اخرى من الأفلام على غرار كونان و يوجي و غيرها

كان شغفي بتلك الأفلام مهول و مازلت برغم التطور المذهل في التقنيات و التأثيرات إلا أن لتلك الكلاسيكيات روعتها بخاصة شارلي شابلن بقبعته و عصاه المميزتين و حركاته التي كتبها باسمه في وقت كانت السينما فيه بكرا ً لم يمسسها التقليد فأبدع و اخترع ما عاش عليه كوميديو السينما حتى الآن كهذا المشهد الذي صار علامة مميزة في مئات الأفلام




و مازلت أعجب من عبقرية هذا الرجل القصير النحيل الذي ترك عالما ً من الحركات و التقنيات لا يمكن لفيلم أن ينجو من تكرار أو اقتباس شيئا ً منه بل و أحيانا ً كانت تنقل حرفيا ً أفلام بكاملها كفيلم إسماعيل ياسين " إنسان غلبان " الذي هو في الحقيقة فيلم " أضواء المدينة " أحد أهم و أمتع أفلام شابلن و الذي استمر تصويره 3 سنوات كاملة و عاد أحد مشاهده 18 مرة و بسهولة تامة ينقل هذا المجود حرفيا ً

- المشهد الذي أعاده شابلن 18 مرة ليظهر أن البنت عمياء بدون استخدام الصوت -

و هناك من نقل بعض المشاهد أو على الأقل استفاد مها في رسم شاهده مثل علي الكسار في فيلم " سلفني 3 جنيه " و هو مشهد المصارعة المنقول إلى حد كبير من فيلم " المصارع "




بجانب العديد من المواقف التي صارت بعد ذلك علامات مميزة في فن الكوميديا و التي اقتبسها العديد من النجوم و تعلموا منه فلسفته في الكوميديا فصارت طريقهم للنجومية على اختلافهم كإسماعيل ياسين و علي الكسار و عادل إمام و محمد صبحي و ويل سميث و روبن ويليامز و جيم كاري ... إلخ



شابلن ذلك العبقري الذي أثبت أن الفن قوة كقوة الحروب و الذي هدده هتلر بل و حاول اغتياله ليصمت ذلك القزم الذي يستغل تشابههما و يتهكم عليه و على الحروب فما كان رد شابلن إلا أن أتحفنا بتحفته " الديكتاتور " عام 1940 و النازية في أوج عظمتها





أحبك يا شابلن
لمزيد من المعلومات

26‏/10‏/2007

عن عزو و جو و أشياء أخرى تخصهم


أحد مسلسلين تابعتهم حتى النهاية بدأب أحسد عليه


و ذلك لسببين الأول إعجابي المطرد بيحيى الفخراني كواحد من أهم الممثلين المتواجدين في الساحة فنا ً و الثاني لاستمتاعي بهوايتي المحببة في تتبع أعمال يوسف معاطي و ملاحظة تطوره و تعثره الإبداعي من عمل لآخر


قبل معرفتي بحمادة عزو سمعت خبر أن الحكومة أو ما تسمى بذلك اسما ً أو فعلا ً متمثلة في وزارة الاستثمار ستفتح باب التقدم للحصول على ترخيص بناء مصنع للأسمنت و يُقال أن الأمر سيمتد للحديد فكان ردي بلا تفكير أخشى ما أخشاه أن يكون لدينا عشرة مصانع للحديد فتكون الاسماء حديد عز و حديد عزو و عزكو للحديد و ... إلخ


فلما سمعت اسم حماد عزو ابتسمت جدا ً كما يليق بابتسامة تشفي ظانا ً أن جو - كما يسمى يوسف معاطي - سيتحفني بمسلسل لاذع و قد كان و لكن بشكل آخر و نسق مختلف


علاقتي بيوسف معاطي ممتدة كقارئ نهم في البداية ثم كمتعلم يشق طريقه في الكتابة الساخرة - آن ذاك - و أستاذ يراه مثله الأعلى
ربما كان لقائي الأول به عبر كتبه في بدايات عام 2000 في بعض المقالات ثم بعض الكتب لعل أقربها لي " آه يا دماغي " إلى سلسلة أفلام و مسرحيات بالتعاون مع البوابة الرئيسية لظهور أفلام جو إلى النور عادل إمام و أخيرا ًمسلسلات كأنه فهن لأنه لن تسقط من قعر القفة


لم يتغير رأيي في يوسف معاطي كثيرا ً كمبدع في الأدب الساخر لم أجد من يضاهيه إلا عزيز نسين و أناتول فرانس


و كذلك أعجبني كأحد صناع ما تشبعنا به الشاشات من مؤثرات ليل نهار حينما شاهدت أول أعماله كونت عنه رأي لم يتغير أيضا ًيوسف قناص جيد للفكرة و راسم متألق لمعادل موضوعي - متميز و تجاري - لما يريد أن يقول تعلم كيف يجتاز الخطوط الحمراء بخبرة جيدة


لكن العجيب أن كاتب بمثل هذا الحجم يُبقي على ما عليه من مآخذ طوال مسيرته فبطول أعماله كلما طال العمل كلما أفلتت خيوط اللعبة من يديه دائما ً ما تخونه الحبكة فيبقى منتصف العمل كالرقعة في الثوب الأبيض إلى أن يتم بحمد الله


خاصة و هو لا يتكئ على صراع طولي في معظم أعماله و يكتفي بإخراج بعض الخدع و المفاجآت من جعبته بين الحين و الآخر فتظل شخصياته مهزوزة لا ينقذها من التماهي إلا تفوق ممثلين أو ذكاء مخرج و يبقى النص مفتوح قابل للزيادة و قابل للإنهاء في أي وقت


كما قال أحدهم تعليقا ً على الحلقة الأخيرة من " يتربى في عزو " ردا ً على تساؤل آخر عن النهاية المفاجئة لكل تلك المشاكل التي جعلها مستعصية " هو قال يقفل هنا فقفل عشان يبقوا 30 حلقة "حمادة عزو آخر سلسلة طويلة تتشابه كلها في الأخطاء


فالبداية جيدة لشخصية مستهترة رسمت بشكل مقبول خاصة في ظل وجود شخصية الأم المدعمة لها و بدأت أبحث عن الصراع و عن ماهية وجود الشخصيات المتتابعة شخص مستهتر أم حنانها قاتل أبناء متباعدون و أسر نتجت عنه و تشتت و عائلة تعيش على ماضيها


ثم يبدأ الأخ حمادة في تلقي الصفعات تباعا ًسواء متباعدة كانت أو متواترة أو مجمعة و كذلك ينال الآخرون من الصفعات جانب


ككاتب ذكي فنيا ً و تجاريا ًبدأ قصته من نقطة محورية و عرف في أول نصف ساعة بالكم الأكبر من شخصياته و رسم شخصية حمادة رسما ً مبدئيا ً موحيا ً بما سنراه في الآتي من القصة ثم حرص على إخراج ما لذ و طاب من المشوقات بين الحين و الآخر و ظل إلى النهاية متحفزا ً بجعبته الملآنة لأي تطور يحدث
و لكن لماذا عاش حمادة عزو 30 حلقة - ككل أبطال جو - ليتهدي للحل في ثوان معدودة ؟؟؟
في ثوان ٍ تزوج نوال الشخصية الأبعد له و أصبح غنيا ً و يحاول الالتزام و و و و
امممممممممممممممممممم
حتى لا أكون متجنيا ً على يوسف ففي تلك المرة بحث عن سبب وجيه يسوقه لنا فألهمه عقله ان يُميت ماما نونا و قد كان كتبرير للتحول الغير منطقي في شخصية حمادة
سبب مناسب لكنه يصلح لكاتب مغمور ليس لكاتب له ثقله
و لكن هرب جو من إحدى أزمات الكتاب المسلوقين الذين يحولون في لحظة البطل من التفاهة للمثالية ففي آخر الشوط نراه يقول أن حمادة يحاول فقط أو بمعنى أصح يحاول أن يحاول
أتعبني جدا ً تزامن المسلسل مع حملة " انت قاعد ع القهوة ليه ... و القطر اللي هيفوتك " و كأن جو يناوئ الحكومة كأي فاعل خير

و أتعبتني بعض الجمل الفاضحة لما وراء القصة كأن جو يقول " افهم بقى يا أخي أنا بأتكلم عن كذا " من نوعية حوارات نوال عن أهمية البحث العلمي و بعض الجمل الآخرى كحوار لإبراهيم في الحلقة الأولى هو الأسوأ و هو يقول لصديقه " عيلة عزو دي زي مصر المحروسة فيها ناس فووووووق مش عارفة تودي الفلوس فين و ناس تحت مش عارفة تجيب الفلوس منين " الجملة في حد ذاتها مقبولة لكنها فاااااااااااااااااااضحة للقصة بشكل بشع
و الأفضح أغنية النهاية على الرغم من كونها مقبولة إلى حد كبير
عامة كل عمل و انت بخير يا عم جو و ربنا ما يقطع لك سبوبة